رسالة بغداد/ سامي القاضي
كشفت صور أقمار صناعية عالية الدقة عن تحسن مائي لافت في عدد من السدود الكبرى في العراق، بعد موجة أمطار غزيرة وسيول واسعة شهدتها البلاد خلال الموسم المطري الحالي، في تطور وصفه مختصون بأنه أحد أبرز مؤشرات التعافي بعد سنوات من التراجع الحاد في الخزين المائي.
صور أقمار صناعية ترصد ارتفاعًا واسعًا في مناسيب المياه واختفاء مساحات كبيرة من الجفاف في السدود الكبرى قبل الموسم الزراعي الصيفي
وتُظهر المقارنات البصرية بين صور التُقطت خلال مارس/آذار 2026 وأخرى حديثة في أبريل/نيسان 2026 اتساع المسطحات المائية داخل أحواض السدود، واختفاء أجزاء واسعة من الشواطئ الجافة التي كانت قد تمددت خلال العامين الماضيين، لا سيما في سد دوكان و**سد دربندخان** و**سد حمرين** و**سد الموصل**.
ويأتي هذا التحسن بعد عام بالغ الصعوبة على الواقع المائي في العراق، حيث وصفت وزارة الموارد المائية عام 2025 بأنه الأكثر جفافًا منذ عام 1933، في ظل انخفاض غير مسبوق في الإيرادات المائية وتراجع واضح في مناسيب الأنهار والخزانات.
دربندخان.. امتلاء يقترب من الطاقة القصوى
في سد دربندخان، أظهرت صور الأقمار الصناعية الملتقطة بين 3 مارس و27 أبريل 2026 ارتفاعًا كبيرًا في منسوب المياه، وصولًا إلى مستويات قاربت الطاقة الاستيعابية القصوى للسد للمرة الأولى منذ سنوات.
ووفق المعطيات الرسمية، بلغت القدرة التخزينية للسد نحو ثلاثة مليارات متر مكعب، مع بدء تصريف المياه الزائدة باتجاه نهر ديالى، في مشهد يعكس حجم التحول الذي شهدته المنطقة خلال أسابيع قليلة.
دوكان.. ارتفاع 17 مترًا منذ بداية العام
أما سد دوكان، فقد سجّل بدوره تحسنًا واضحًا في مناسيب المياه، حيث كشفت الصور الفضائية الملتقطة بين 6 مارس و27 أبريل عن ارتفاع المنسوب بنحو 17 مترًا منذ بداية العام الجاري.
ورغم هذا الارتفاع الكبير، لا تزال بحيرة السد تحتفظ بسعة استيعابية إضافية، ما يمنح المنطقة هامشًا مائيًا مطمئنًا قبل حلول أشهر الصيف التي تشهد عادة ذروة الطلب على المياه.
حمرين.. استعادة مساحات مائية مفقودة
وفي سد حمرين، أظهرت المقارنات الفضائية استعادة جزء كبير من المساحات المائية التي كانت قد تقلصت بشكل ملحوظ خلال فترات الجفاف الماضية.
ويُعزى هذا التحسن بشكل مباشر إلى التصريفات المائية القادمة من سد دربندخان عبر نهر ديالى، ما أسهم في إنعاش البحيرة وإعادة جزء مهم من امتدادها الطبيعي.
سد الموصل.. الخزين يقترب من 7 مليارات متر مكعب
وفي شمال البلاد، سجّل سد الموصل أحد أبرز مؤشرات التعافي المائي.
فقد أظهرت صور الأقمار الصناعية الملتقطة بين 11 مارس و30 أبريل 2026 ارتفاعًا واضحًا في الخزين المائي، الذي اقترب من سبعة مليارات متر مكعب، بعد أن كان السد قد شهد خلال العام الماضي واحدًا من أدنى مستوياته منذ سنوات.
وتزامن هذا التحسن مع إعادة تشغيل المحطة الكهرومائية التابعة للسد خلال مارس الماضي، بعد توقف استمر تسعة أشهر بسبب انخفاض المناسيب، في مؤشر مهم على ارتباط التعافي المائي بقطاع الطاقة الكهربائية في البلاد.
حديثة.. تحسن نسبي في الفرات
أما سد حديثة على نهر الفرات، فقد أظهرت الصور الفضائية تحسنًا نسبيًا في مستوى البحيرة بين أوائل مارس ونهاية أبريل.
ورغم أن الزيادة جاءت أقل من تلك المسجلة في سدود حوض نهر دجلة، فإنها تظل مؤشرًا إيجابيًا بعد أشهر طويلة من الانخفاضات الحادة.
موسم صيفي أكثر أمانًا
وتشير المعطيات الحالية إلى أن الخزين المائي في سدود حوض نهر دجلة وصل إلى مستويات تسمح بتأمين الحصص المائية المطلوبة للموسم الزراعي الصيفي المقبل.
وأكدت وزارة الموارد المائية في العراق أن موجة الأمطار الأخيرة، إلى جانب زيادة الإطلاقات من دول المنبع، أسهمت في رفع الخزين الاستراتيجي ومنحت البلاد هامشًا مائيًا أكثر أمانًا قبل دخول فصل الصيف.
تعافٍ مهم.. لكن الحذر مطلوب
ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، يرى مختصون أن الوفرة الحالية لا تعني انتهاء الأزمة المائية بشكل كامل.
فالمرحلة المقبلة تتطلب إدارة دقيقة للموارد المتاحة، لضمان استدامة الخزين وتلبية احتياجات الشرب والزراعة والكهرباء خلال الأشهر المقبلة، خصوصًا في ظل التقلبات المناخية الحادة وتذبذب الإيرادات المائية.
وبين صيف 2025 الذي حمل معه صور الجفاف القاسي، وربيع 2026 الذي أعاد المياه إلى السدود الكبرى، يبدو أن العراق أمام فرصة حقيقية لالتقاط أنفاسه مائيًا… شرط أن تُدار هذه الوفرة بحكمة قبل أن يعود شبح العطش من جديد.