تقرير/ سامي القاضي
أطلق الاتحاد الأوروبي حزمة إصلاحات واسعة النطاق لإعادة تنظيم قطاعه المصرفي، في خطوة إستراتيجية تهدف إلى تسهيل حركة رؤوس الأموال وتخفيف الأعباء التنظيمية التي تكبل المصارف الأوروبية. وتأتي هذه الخطوة بالتزامن مع توجه الولايات المتحدة، تحت إدارة الرئيس دونالد ترمب، نحو تخفيف أكثر جرأة للقيود المفروضة على وول ستريت، مما فرض على بروكسل تحركًا سريعًا لحماية تنافسية كبرى مؤسساتها المالية.
وحسب المفوضية الأوروبية، تسعى الخطة إلى تحريك ملفات مجمّدة منذ عقود عبر إزالة الحواجز الوطنية بين الأسواق، وتسهيل انتقال السيولة داخل المجموعات البنكية العابرة للحدود، ومراجعة الشروط التي تقيد تمويل الشركات والأسر. ويمثل هذا التحول تغييرًا جذريًا في فكر صناع السياسة الأوروبيين؛ فبعد سنوات من التركيز الحصري على تشديد الرقابة وزيادة رأس المال عقب الأزمة المالية العالمية، باتت القدرة التنافسية، والنمو، والابتكار في صدارة الأولويات.
ماريا لويس ألبوكيركي (المفوضة الأوروبية للخدمات المالية): “بنوك الاتحاد الأوروبي تفتقر حاليًا إلى الحجم اللازم للمنافسة دوليًا ومحليًا، وتجاوز العقبات الراهنة يتطلب تغييرًا هيكليًا وإجراءات متزامنة على جبهات متعددة.”
تفكيك الحواجز المحلية: سوق موحدة تتجاوز “الورق”
رغم امتلاك الاتحاد الأوروبي سوقًا موحدة وعملة مشتركة في 21 دولة، إلى جانب نظام إشراف موحد على المصارف الكبرى في منطقة اليورو، فإن النشاط المصرفي لا يزال مجزأً على أسس وطنية. وتفرض الحكومات والجهات الرقابية المحلية قيودًا تمنع تدفق الأموال بسلاسة بين الفروع التابعة للمجموعة المصرفية الواحدة.
رؤية البنك المركزي الأوروبي: يرى البنك أن هذا التفتت يحرم البنوك من تحقيق “وفورات الحجم” وتنويع المخاطر، مما يضعف موقفها في مواجهة المصارف الأمريكية التي تستفيد من سوق محلية ضخمة وموحدة.
مخاوف سيادية: تواجه مساعي المفوضية لإلغاء هذه القيود ممانعة من بعض الدول الأعضاء، خوفًا من قيام المجموعات الأم بسحب السيولة من الأسواق المحلية وتوجيهها إلى مراكزها الرئيسية خلال أوقات الأزمات.
كلفة القيود: تفرض هذه العقبات على المصارف الاحتفاظ باحتياطيات منفصلة ومكررة في دول متعددة، مما يرفع تكلفة التشغيل ويعيق توجيه التمويل نحو القطاعات الأكثر احتياجًا.
خارطة الطريق: ما الذي ستغيره الخطة الجديدة؟
تتضمن الحزمة المصرفية مراجعات جوهرية للهياكل التنظيمية، أبرزها:
تبسيط هيكل رأس المال: تخفيف القيود المفروضة على تمويل التجارة واستثمارات البنوك في قطاع البرمجيات.
قواعد “بازل 3”: مراجعة ما يُعرف بـ “الحد الأدنى للناتج” (Output Floor)، وهو البند الذي يضع حدًا أدنى للأصول المرجحة بالمخاطر لمنع البنوك من استغلال نماذجها الداخلية لتقليل تقديرات المخاطر.
حماية تمويل العقارات والمشاريع: تسعى التعديلات إلى منع ارتفاع متطلبات رأس المال على قروض الإسكان والشركات الصغيرة والمتوسطة، تجنبًا لرفع كلفة الائتمان أو تقليص الإقراض.
وفي هذا السياق، أكد كريستيان زيفينغ (الرئيس التنفيذي لدويتشه بنك ورئيس رابطة البنوك الألمانية) أن تعديل قواعد الحد الأدنى للناتج وتخفيف أعباء تمويل التجارة يمثلان أولوية قصوى للتنفيذ السريع.
تمويل اقتصاد المعرفة: الذكاء الاصطناعي بلا “ضمانات مادية”
تقتحم الخطة ملفًا تمويليًا معقدًا يخص شركات التكنولوجيا الحديثة والذكاء الاصطناعي، وهي شركات تقوم قيمتها على الأصول غير الملموسة (كالبرمجيات والملكية الفكرية والبيانات) بدلاً من الأصول المادية (كالمصانع والعقارات).
وعادة ما تواجه هذه الشركات صعوبات بالغة في الحصول على قروض مصرفية لعدم قدرتها على تقديم ضمانات مادية يمكن تسييلها عند التعثر. وتتضمن الصيغة النهائية للحزمة بندًا خاصًا لدراسة آليات جديدة تضمن وصول الاقتصاد القائم على المعرفة إلى الائتمان والموارد المالية بصورة أوسع.
تنازلات واقعية: التراجع عن “التأمين الموحد” ومراجعة مكافآت المصرفيين
شهدت الحزمة تراجعات عن خطط سابقة وُصفت بالحساسة سياسيًا واجتماعيًا، لضمان تمرير الإصلاحات:
1. بديل لنظام تأمين الودائع المتعثر
تخلت المفوضية عن مقترحها الصادر عام 2015 لإنشاء نظام أوروبي موحد للتأمين على الودائع، واستبدلته بإطار عمل جديد بعد 11 عامًا من الخلافات السياسية. ورغم تحذيرات البنك المركزي الأوروبي من أن غياب نظام موحد يبقي “الاتحاد المصرفي” ناقصًا، فضلت المفوضية تجديد البحث عن حلول تحظى بقبول سياسي واسع بدلاً من إبقاء الملف معلقًا.
2. إعادة النظر في سقف الأجور
تعهدت المفوضية بتقييم “تعديلات محتملة” على القواعد الحالية التي تحدد مكافآت كبار المصرفيين بضعفي الراتب الثابت كحد أقصى (وهي قيود فُرضت بعد الأزمة المالية لعام 2008). وتشتكي البنوك الأوروبية من أن هذا السقف يعوقها عن استقطاب الكفاءات والمديرين التنفيذيين أمام المنافسة الشرسة من البنوك الأمريكية والبريطانية.
جبهة الأطلسي: رد أوروبي مدروس على تحركات واشنطن
تأتي التحركات في بروكسل بالتزامن مع مساعي الإدارة الأمريكية لتقليص الأثر المتوقع لقواعد “بازل 3” على المصارف الكبرى في وول ستريت، مما أثار قلق القادة الأوروبيين من اتساع الفجوة التنظيمية بين الجانبين. وتخشى بروكسل أن يؤدي بطء استجابتها إلى زيادة تكلفة رأس المال على بنوك الاتحاد مقارنة بنظرائها في الولايات المتحدة.
ومع ذلك، تبدو خطة بروكسل أكثر حذرًا وتحفظًا؛ حيث تُقدمها المفوضية كعملية “إعادة معايرة وتبسيط للقواعد”، وليست تراجعًا شاملاً عن الإصلاحات التنظيمية المقررة لحماية الاستقرار المالي.
أصداء الأسواق: ترحيب مصرفي واسع وتحذيرات رقابية
لقيت الحزمة ترحيبًا حارًا من أقطاب القطاع المالي:
جي بي مورغان تشيس: وصف ماتيو ويلتز (الرئيس المشارك لعمليات البنك في أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا) الحزمة بأنها “أفضل فرصة منذ سنوات لتمكين البنوك من دعم نمو الاقتصاد الحقيقي بكامل طاقتها”.
رابطة الأسواق المالية في أوروبا (AFME): أشادت بالمرونة الجديدة للمفوضية، لكنها شددت على ضرورة ترتيب أولويات التنفيذ السريع بدلاً من رهن التطبيق بالاتفاق النهائي على الحزمة بأكملها.
البنك المركزي الأوروبي: اتخذ موقفًا متوازنًا؛ إذ رحب بجهود تعزيز الكفاءة والتكامل، لكنه حذر صراحة من أن تبسيط القواعد لا يجب أن يأتي على حساب قدرة البنوك على امتصاص الصدمات أو تهديد متانة النظام المالي.