سحر رمزي/ نيودلهي – أوروبا اليوم
في واحدة من أكثر التجارب الصحفية فرادة وإلهاماً في القرن الحادي والعشرين، تحولت صحيفة محلية صغيرة تصدر من قلب الريف الهندي المنسي إلى نموذج عالمي يدرّس في كبرى الجامعات الدولية. التجربة التي قادتها نساء ينتمين لأكثر الطبقات تهميشاً وفقراً، نجحت في كسر احتكار المدن والنخب للمجال الإعلامي، وفرضت حضوراً مغايراً ينقل نبض القرى والطبقات المسحوقة بلغتها اليومية الحية.
تسلط الصحفية مارينا رضوي، في مقال حديث نشرته مجلة جامعة كولومبيا للصحافة (Columbia Journalism Review)، الضوء على هذا التحول الأسطوري، مستعرضة كتاب “المراسلة الجيدة: مذكرات عن الصحافة في القرن الحادي والعشرين”. يوثق الكتاب مسيرة منصة “خبر لاهاريا” (Khabar Lahariya)، أول مؤسسة إخبارية رقمية محلية في الهند تدار بالكامل بواسطة نساء ريفيات.
من الجفاف والأمية إلى قيادة المشهد الرقمي
تأسست “خبر لاهاريا” عام 2002 في منطقة “بونديلخاند” بشمال وسط الهند، وهي بقعة جغرافية تعاني منذ عقود من الجفاف الحاد، الفقر المدقع، وغياب التنمية. لكن المعجزة الحقيقية لم تكن في بيئة الانطلاق المعقدة، بل في هوية صانعات الحدث؛ إذ تنتمي معظم الصحفيات إلى طبقات اجتماعية مهمشة (الداليت أو المنبوذين سابقاً)، واقتحمن عالم الصحافة بلا شهادات جامعية أو تدريب مهني مسبق.
اليوم، ورغم التحديات الهائلة، تحولت المنصة إلى إمبراطورية إعلامية محلية ببنائها جمهوراً واسعاً يصل إلى 5 ملايين متابع شهرياً عبر الفضاء الرقمي، من خلال شبكة مراسلات شجاعات يغطين 16 منطقة ريفية نائية في ولايتي “أوتار براديش” و”ماديا براديش”؛ وهي مناطق سقطت تماماً من حسابات الإعلام الهندي التقليدي.
القصة كاملة بأقلامهن: لفتت المنصة أنظار العالم بعد عرض الفيلم الوثائقي الشهير “الكتابة بالنار” (Writing with Fire)، الذي رُشح لجائزة الأوسكار. ورغم النجاح المدوي للفيلم، شعرت الصحفيات أن الشاشة لم تروِ القصة كاملة، فقررن إصدار كتابهن الجماعي لاستعادة التجربة من منظور السيرة الجماعية والبحث النسوي، ليطرحن سؤالاً جوهرياً: من يملك حق رواية قصص المهمشين؟
الصدمة الأولى: نساء يبعن “الحقيقة” في أسواق المحافظين
تعود جذور هذا الحلم إلى تسعينيات القرن الماضي، عندما بدأت الفكرة بنشرة جدارية بسيطة بلغة “بوندِلي” المحلية، ولدت رحم ورش محو الأمية للنساء ضمن برنامج حكومي. وسرعان ما تحولت النشرة إلى ظاهرة لأنها تحدثت لأول مرة بلسان سكان القرى، مبتعدة عن صراعات النخب وسياسات المدن الكبرى.
وجاءت اللحظة الفاصلة عندما اتخذت النساء قراراً جريئاً بتحويل النشرة إلى صحيفة ورقية تُباع مقابل المال. في مجتمع ريفي محافظ لم يعتد رؤية المرأة خارج حدود منزلها، كان مشهد نساء يطفن بالقرى لبيع الصحف صدمة مجتمعية مدوية. لكن الصدمة تحولت إلى قبول، واشترى الناس الصحيفة، لتولد أول مؤسسة إعلامية ريفية مستقلة.
زاوية نظر مغايرة: كيف هزمت لغة الأرض صحافة القصور؟
يكشف كتاب “المراسلة الجيدة” حجم الفجوة الهائلة التي تفصل الصحافة التقليدية في الهند عن واقع المجتمع؛ فالصحف السائدة تُكتب بلغة مقعرة لا يفهمها الفلاحون، وتدار بأموال وتوجهات نخب سياسية واقتصادية عليا.
في المقابل، قدمت “خبر لاهاريا” صحافة حقيقية تلامس الجرح:
-
صوت من الداخل: تكتبها نساء يعشن تفاصيل الفقر، العنف، والتمييز الطبقي يومياً، فجاءت قصصهن انعكاساً صادقاً للواقع لا مجرد تغطية عابرة.
-
ملفات مسكوت عنها: فتحت المنصة تحقيقات جريئة في قضايا تُطمس عادة، مثل الوفيات المشبوهة للنساء داخل المنازل، الفساد المالي للمسؤولين المحليين، والتلاعب بالمساعدات الحكومية.
-
مواجهة الأمية بالصوت المرتفع: تغلبت الصحيفة على معضلة الأمية في الريف بابتكار اجتماعي بامتياز؛ حيث كانت النسخ تُقرأ بصوت مرتفع في الساحات العامة، أو يقوم الأطفال بقراءتها لأمهاتهم أثناء الطهي والعمل في الحقول، مما جعل الصحافة جزءاً لا يتجزأ من اليوميات الطينية للقرية الهندية.