أخبار عاجلة
الرئيسية / عربي / هل بالإمكان عودة لبنان إلى سوريا بقلم : طلال بركات

هل بالإمكان عودة لبنان إلى سوريا بقلم : طلال بركات

 

مسار التحول السياسي في لبنان من دولة كانت تسمى فينيسيا الشرق إلى دولة فاشلة كما وصفها المبعوث الأمريكي توم بارّاك، ملمّحا إلى عودة لبنان إلى سوريا .. وقال أيضاً في حسابه على منصّة إكس في 2025/5/26 “إنّ الغرب فرض قبل قرن من الزمان خرائط وانتدابات وفق اتّفاقية سايكس_بيكو التي قسّمت سوريا والمنطقة لأهداف استعمارية لا من أجل السلام”. وأضاف: “إنّ ذلك التقسيم كان خطأً ولن يتكرّر مرّة أخرى، وإنّ زمن التدخّل الغربي انتهى .. وقد أثارت تصريحاته قلق بعض الطوائف في لبنان وسوريا، وتقبلها مسلمي البلدين استناداً الى عمق الروابط المشتركة الناتجة عن حكم الجيرة والتداخل الجغرافي، والعمق الشعبي، والشعور الوطني النابع من التاريخ المشترك .. ولكن السؤال هنا هل المقصود من كلام باراك عودة لبنان ليكون في حالة توافق سياسي مع سوريا ام تغيير الخرائط الجغرافية .. الجواب يستشف من قول المتحدّثة باسم الخارجية الأمريكية تامي بروس الذي لا يخرج عن سياق كلام توم باراك عندما اشارت في 2025/7/18 : “إنّ الولايات المتّحدة لا تعارض الفيدرالية. وعليه فإنّ تصريحات توم باراك حول “الشام” وظلم سايكس-بيكو لا ينفصل عن السياق العامّ للخطّة الأمريكية للمنطقة” مما يعني هذا الكلام نهج جديد في السياسة الأمريكية والذي جاء متناغماً مع رغبة شعبية لبنانية نابعة من فقدان الأمل في إصلاح الحالة السياسية المستعصية في لبنان نتيجة الانحدار الاقتصادي إلى حافية الهاوية حتى اصبحت جميع جهود الإنقاذ شبه مستحيلة وباتت الصورة معكوسة عند المقارنة بين لبنان التي كانت حقاً دولة ديمقراطية ومتحضرة، وسوريا التي كانت لا تملك من المقومات غير قوة الميليشيات وفروع المخابرات وشبيحة النظام الذين عالوا على الدولة اللبنانية وغيروا مميزاتها التي كانت تنفرد بها من حرية سياسية وصحافة حرة ومجتمع متحضر فضلاً عن مأوى للسياسيين العرب الفاريين من الأنظمة الدكتاتورية علاوة على مكانتها الثقافية في الوطن العربي والعالم، الى ان تحولت إلى دولة ميليشيات استنزفت قدراتها حروب اهلية استمرت 14 عام حتى اصبح لبنان تحت وصاية سوريا التي هيمنت عليه سياسياً واقتصادياً وعسكريا وجعلت منه ساحة للصراعات وتصفية للحسابات وأيضاً ساهمت في تغلغل ايران من خلال دعم حزب الله الذي تاجر بالشعارات الثورية تحت ذريعة المقاومة والممانعة وتحرير القدس وفلسطين، مما جعل لبنان يتحمل أعباء القضية الفلسطينية وهو غير قادر على تحمل أعباء تركيبته الاجتماعية والطائفية أضافة إلى تحمله عمليات الصراع مع إسرائيل ما لم تتحمله الدول القوية في المنطقة إلى ان احكم الحزب قبضته على مؤسسات الدولة وفرض وصاية صفوية على لبنان بالقوة، واصبح يتدخل في نزاعات طائفية في المنطقة ليس للبنانيين فيها ناقة ولا جمل خصوصاً مشاركته جنب النظام السوري الدموي المقبور والميليشيات الموالية لايران لقمع الشعب السوري من المعارضين للنظام وفي النهاية لا احد من تلك الميليشيات تمكن من إنقاذ حكم بشار الاسد من السقوط .. حتى اصبحت سوريا الجديدة محط أنظار العالم بعد التحولات الأخيرة التي لاقت الدعم والترحيب الإقليمي والدولي وباتت دمشق قبلة للاقتصاديين والمستثمرين يحج اليها الكثير من القادة ورجال الأعمال وهم يقدمون اعلى درجات الاستعداد للتعاون السياسي والاقتصادي واصبحت نموذج لدولة صاعدة خلال فترة زمنية قياسية عكس لبنان الذي تحول إلى دولة نازلة نتيجة غرقها في العديد من المشاكل .. وفي خضم هذه المتغيرات جاءت تلميحات توم باراك بعودة لبنان الى سوريا التي لاقت ترحيب من اللبنانيين والسوريين خصوصاً بعدما أعلن الكثير من النخب اللبنانية عن رغبتهم في عودة التآخي السوري اللبناني للتخلص من الهيمنة الايرانية التي حان الوقت لإنهائها بعدما استجدت عوامل كثيرة منها قطع جسور الوصل والتواصل التي كانت ممتدة من إيران إلى لبنان عبر العراق وسوريا .. ولكن السؤال بعد هذه التصريحات هل تقبل اسرائيل والغرب المتمثل في بريطانيا وفرنسا اللذان اتبعا سياسة فرق تسد على مدى عقود والتي توجت باتفاق سايس بيكو لتقسيم الوطن العربي بهذه العودة أي “عودة لبنان الى سوريا” سواء عودة سياسية او جغرافية، الجواب بعد مجيئ ترامب الذي قلب موازين النهج القديم لتأسيس علاقات دولية جديد قائمة على أسس اقتصادية يرى انها تعطي حلول للمشاكل العالمية وتحقق استقرار دولي من خلال إقامة مشاريع استثمارية عملاقة عابرة للحدود الهدف منها تأسيس تكتلات اقتصادية عالمية كبرى لمواجهة نمو العملاق الصيني بدلاً من سياسة فرق تسد التي أكل عليها الدهر وشرب، لذلك لا غرابة في تلميح توم باراك بعودة لبنان إلى سوريا لانها تنسجم مع النهج الأمريكي الجديد باعتبار الاقتصاد اساس العلاقات الدولية وإعطاء الدول المستقرة في المنطقة دوراً ريادياً في صناعة السلام وتحقيق مشروع الشام الجديد الذي كان محورًا لدراسة أعدّها البنك الدولي في آذار 2019 بوضع خرائط جغرافية شملت سوريا ولبنان والأردنّ والأراضي الفلسطينية، بالإضافة الى مصر والعراق، وجاء في الدراسة ان المشروع يعتمد على طاقات المنطقة التجارية والاقتصادية والسياحية والخدماتية الكامنة، فضلًا عن قواسم تاريخية وثقافية مشتركة تجمع شعوبها، والتي من شأنها أن تجعلها منطقة اقتصادية ناجحة “وهنا بيت القصيد” لذلك لم تأتي دعوة توم باراك من فراغ، وأيضاً لا غرابة لو جاءت دعوة أمريكية لضم عدد من دول الخليج الى السعودية وليس ببعيد دعوة ضم الكويت إلى العراق لإقامة مشاريع نفطية عملاقة بالاضافة الى تحريك البرك الساكنه او إطفاء لهيب البؤر الملتهبة في مناطق عديدة من العالم لتحقيق السلام الذي ينشده الرئيس ترامب لان كل شيئ متحرك في عالم السياسة وان ما نراه حلم بعيد يمكن ان يكون واقع جديد، في ضوء ما أثبتته التجارب من عدم وجود ثوابت سياسية دائمة وانما هناك افكار عائمة تحركها رياح المتغيرات الدولية العاصفة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *