عادل عبد العزيز/ لندن/ غزة – أوروبا اليوم
فجّرت صحيفة “ذا غارديان” البريطانية قنبلة سياسية وقانونية مدوية، بعد كشفها عن مسودة قرار مسرّبة حصلت عليها، تُظهر توجهاً أمريكياً مثيراً للجدل داخل “مجلس السلام” الذي شكله الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لإدارة قطاع غزة في مرحلة ما بعد الحرب؛ إذ تمنح المسودة أعضاء المجلس وقواته والمتعاقدين معه حصانة قانونية كاملة ومطلقة ضد أي ملاحقة قضائية، إلى جانب صلاحيات واسعة للاستحواذ على الممتلكات والمرافق العامة داخل القطاع مجاناً وبلا مقابل.
مسودة من 4 صفحات تعفي كوشنر وروبيو والقوات الدولية من الاعتقال والملاحقة.. وخبراء قانونيون: “شرعنة للبلطجة واستنساخ لنموذج براك ووتر”
وتنص الوثيقة المؤلفة من 4 صفحات والمصنفة تحت بند “حساسة لكنها غير سرية”، على إعفاء أعضاء المجلس ومكتب “الممثل السامي” والقوات الدولية والشركات الأمنية والمتعاقدين المشاركين في مهام الإعمار من أي إجراءات قانونية، بما يشمل منع اعتقالهم، أو احتجازهم، أو ملاحقتهم أمام محاكم قطاع غزة، مع حصر صلاحية رفع الحصانة بيد رئيس المجلس دونالد ترمب شخصياً، وبشرط موافقة أغلبية أعضاء المجلس التنفيذي.
مجلس عائلي استثماري.. من يدير غزة خلف الستار؟
وتأتي خطورة هذه التسريبات بالنظر إلى طبيعة الأسماء التي تشكل نواة هذا المجلس؛ إذ يضم في عضويته التنفيذية 7 شخصيات من الصقور والمقربين لترمب، وهم:
-
جاريد كوشنر: صهر الرئيس الأمريكي وعرّاب الصفقات الإقليمية.
-
ستيف ويتكوف: المبعوث الأمريكي الخاص.
-
سوزي وايلز: رئيسة موظفي البيت الأبيض.
-
ماركو روبيو: مستشار الأمن القومي الأمريكي.
وفي المقابل، ورغم تعهد عدة دول بتقديم مليارات الدولارات لدعم إعادة الإعمار، إلا أن التقرير يشير إلى أن معظم هذه التعهدات لا تزال حبراً على ورق، ولم يمنح المجلس حتى الآن عقوداً رئيسية للمباشرة في الميدان، مما يثير الشكوك حول تسريع إصدار قوانين الحصانة قبل بدء العمل الفعلي.
غضب وقلق بين خبراء القانون الدولي.. “نظام بلا رقابة”
أثارت المسودة مخاوف عارمة وأطلقت إنذارات حمراء بين أوساط خبراء القانون الإنساني الدولي، الذين حذروا من أن هذه الخطوة تفتح الباب على مصراعيه لإعفاء القوات والمتعاقدين من أي مسؤولية جنائية في حال وقوع حوادث إطلاق نار، أو تصفيات، أو وفيات وأضرار تلحق بالمدنيين الفلسطينيين.
إميلي شيفر (مختصة في القانون الإنساني): “الوثيقة تبدو محاولة فجة وواضحة لإعفاء المجلس وجميع العاملين معه من المسؤولية عن أي انتهاكات قانونية أو جرائم محتملة ضد السكان الأصليين”.
نورا عريقات (أستاذة القانون الدولي): “هذا المشروع ينشئ نظاماً قانونياً خاصاً به ومنعزلاً، بعيداً عن أي رقابة خارجية، ويمثل انتهاكاً صارخاً وتجاهلاً تاماً لتطبيق القانون الدولي الإنساني”.
مقار ومكاتب مجانية.. مخاوف من مصادرة أملاك الفلسطينيين
البند الآخر الذي لا يقل خطورة في المسودة، هو إلزام قطاع غزة بتوفير “مبانٍ ومرافق عامة مجاناً” لصالح مكاتب المجلس ومقار قواته الدولية واللوجستية؛ وحذر الحقوقيون من أن هذا النص الفضفاض يمنح الغطاء للاستيلاء على ممتلكات المواطنين والمؤسسات الفلسطينية دون موافقة أصحابها أو تقديم أي تعويضات عادلة، خصوصاً في ظل غياب أي اتفاق قانوني معترف به يحدد وضع وصلاحيات هذه القوات الدخيلة.
ويعتزم المجلس -وفقاً لشهادات متعاقدين- بناء قواعد عسكرية ومراكز لوجستية ضخمة للقوات الدولية، والتي ستكون مهمتها الأساسية دعم عملية “نزع سلاح حركة حماس” كركيزة محورية في خطة ترمب لفرض الواقع الجديد.
اجتماعات كواليس القاهرة ونفي خجول
على الصعيد الدبلوماسي، كشفت “الغارديان” أن الممثل السامي للمجلس، الدبلوماسي البلغاري نيكولاي ملادينوف، يعقد في هذه الأثناء اجتماعات مكثفة في القاهرة مع مسؤولين فلسطينيين (اختارهم المجلس بنفسه للمشاركة في الإدارة المدنية لغزة) لاستكمال الأطر التنظيمية، لافتة إلى أن مشروع “قرار الحصانة” جرى إخفاؤه ولم يُعرض على الطرف الفلسطيني في الاجتماعات حتى الآن.
وفي محاولة لتهدئة العاصفة، سارع مسؤول في “مجلس السلام” إلى نفي وجود أي إطار قانوني نافذ يمنح هذه الحصانات، مدعياً أن ما ورد في الوثيقة “غير صحيح ومضلل”، وأن المجلس سيضمن خضوع الجميع للمحاسبة والرقابة، لكنه رفض في الوقت ذاته توضيح ماهية أو طبيعة تلك الآليات، مما يبقي الغموض والشكوك قائمة حول “قرار” سيدخل حيز التنفيذ بمجرد توقيع الممثل السامي وحده، متجاوزاً كل القوانين الدولية والأممية.