تحقيق/ سحر رمزي
اعتبر الأكاديمي الأمريكي راجان مينون أن تلويح الولايات المتحدة، بوصفها الركيزة الأساسية في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، باستخدام القوة ضد دولة عضو في الحلف كان أمرا أقرب إلى الخيال، قبل أن يتحول إلى واقع سياسي عندما هدد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بالاستيلاء على جزيرة غرينلاند التابعة للدانمارك.
ورغم تراجع ترمب عن هذا التهديد في كلمته خلال المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا، فإن حالة الغموض لا تزال تحيط بمسار السياسة الأمريكية المقبلة، لا سيما في ظل النقاشات المتصاعدة حول حدوث “انقلاب” في النظام العالمي القائم.
وفي مقال رأي نشرته صحيفة نيويورك تايمز، رأى مينون، الأستاذ الفخري للعلاقات الدولية في كلية كولين باول للقيادة المدنية والعالمية في نيويورك، أن أزمة غرينلاند كشفت عن تصدعات عميقة داخل حلف الناتو، مشيرا إلى أن الحلف الذي شكّل حجر الزاوية للأمن عبر الأطلسي لأكثر من 75 عاما بات يقترب من نهايته.
وأوضح الكاتب أن تفكك الناتو، إن حدث، لن يكون فجائيا، بل سترافقه اضطرابات سياسية وأمنية، لكنه لن يصل إلى حد الكارثة، مؤكدا أن أوروبا تمتلك الدافع والقدرات اللازمة للدفاع عن نفسها بعد عقود من الاعتماد الأمني على الولايات المتحدة.
وأشار مينون إلى أن التنسيق الأوروبي الذي برز مؤخرا في مواجهة تداعيات سياسات ترمب يعكس فرصة تاريخية للقارة العجوز للتحرر من المظلة الأمنية الأمريكية، خصوصا في ظل تكرار تشكيك الرئيس الأمريكي في التزام واشنطن بالدفاع عن حلفائها داخل الناتو، وتلميحه أكثر من مرة إلى احتمال الانسحاب من الحلف.
وأضاف أن ترمب لم يُخفِ استياءه من الناتو، وعبّر عن نظرته السلبية تجاه أوروبا في إستراتيجية الأمن القومي لإدارته، التي وصفت القارة بأنها تشهد تراجعا اقتصاديا، وتواجه خطر “الاندثار الحضاري”، وباتت أقل أهمية إستراتيجية مقارنة بمناطق أخرى مثل أمريكا اللاتينية وشرق آسيا، كما شككت الوثيقة في قدرة بعض الدول الأوروبية على الاستمرار كحلفاء موثوقين.
تحوّل أوروبي لافت
ورصد الكاتب تحولا ملحوظا في الموقف الأوروبي، إذ تخلت العواصم الأوروبية عن سياسة استرضاء ترمب، وبدأت بإظهار قدر أكبر من الحزم، تمثل في تعليق البرلمان الأوروبي التصديق على الاتفاقية التجارية مع الولايات المتحدة، ودراسة فرض رسوم جمركية مضادة، إضافة إلى بحث تفعيل آلية الاتحاد الأوروبي لمكافحة الإكراه الاقتصادي.
ودعا مينون القادة الأوروبيين إلى توسيع رؤيتهم الإستراتيجية، معتبرا أن أوروبا، بالتعاون مع بريطانيا وكندا، قادرة على التحرر من التبعية العسكرية للولايات المتحدة، التي باتت تنظر إلى حلفائها التقليديين بنوع من الازدراء.
وأكد أن مؤشرات القوة العسكرية الأوروبية، من حيث عدد السكان، وحجم الاقتصاد، والتقدم التكنولوجي، ومستوى الصناعات الدفاعية، تؤكد قدرة القارة على تأمين نفسها، مشيرا إلى أن العائق الحقيقي لا يكمن في الإمكانيات، بل في ضعف الإرادة السياسية والحاجة إلى تنسيق أوثق بين الدول الأوروبية.
وفيما يتعلق بالخطر الروسي، رأى مينون أن موسكو لا تشكل تهديدا عسكريا حقيقيا لأوروبا، مستشهدا بتعثرها في الحرب الأوكرانية، حيث لم تحقق سوى مكاسب محدودة رغم مرور قرابة أربع سنوات على اندلاع الحرب، مقابل كلفة اقتصادية قُدرت بنحو 2.4 تريليون دولار.
وخلص الكاتب إلى أن أزمة غرينلاند شكّلت لحظة إدراك حاسمة للأوروبيين، مفادها أن الولايات المتحدة لم تعد ترى أمن أوروبا أولوية، وأن الخيار الوحيد المتاح أمام القارة يتمثل في الاعتماد على نفسها وإعادة صياغة إستراتيجيتها الأمنية بعيدًا عن واشنطن.