أوروبا اليوم
تقريرٌ نشرته “International Policy Digest” يلفت الانتباه إلى أن موجة الترويج لعودة “الشاه” على منصات التواصل ليست دائماً انعكاساً عفوياً لمزاجٍ شعبي، بل قد تكون “حملة مُهندَسة” هدفها شقّ صفوف المعارضة وتشويه الرسالة الأساسية للانتفاضة عبر تحويل خيزش ديمقراطي واسع إلى رواية نوستالجية تُختزل في “عودة الملك الوراثي” وتمحور كل شيء حول وجهٍ واحد مثير للانقسام.
في الشارع الإيراني، الفكرة التي تتكرر منذ سنوات تُختصر بجملة قاسية لكنها واضحة: “الدكتاتور دكتاتور… سواء كان شاه أو ملا”. هذا ليس جدلاً نظرياً، بل خلاصة تجربة شعب ذاق القمع مرتين: مرة تحت دولة الشاه الأمنية، ومرة تحت دولة ولاية الفقيه. لذلك يصبح مفهوماً لماذا يتعامل كثير من الإيرانيين بحساسية شديدة مع أي محاولة لتلميع “منقذ” جديد أو تصدير “بديل جاهز” فوق رؤوس الناس، بدل دعم مطلبهم المركزي: إسقاط الاستبداد بكل أشكاله، لا إعادة تدويره.
التقرير يتحدث عن “جبهة موذية” داخل “الخنادق الرقمية” للانتفاضة: حرب ظلّ تُخاض بالخوارزميات، وبالصوت المُركّب، وببرمجيات تحرير الفيديو، لتغيير المعنى في لحظته والسيطرة على “السردية” قبل أن يستقرّ وعي الجمهور عليها. الهدف ليس قمع الاحتجاجات فقط، بل “سرقتها”: اختطاف الرواية من أصحابها وتوجيهها نحو قصة تخدم الخصم أو تشتت الناس عن الشعار الأصلي.
ومن زاوية كثير من الإيرانيين، لا يقتصر الأمر على الفضاء الرقمي. إذ تُتداول أيضاً روايات عن محاولات ميدانية لإدخال هتافات مؤيدة لرضا بهلوي داخل تجمعات كانت ترفع شعارات ضد خامنئي وضد كل أشكال الاستبداد، بهدف خلق لقطات توحي بأن الانتفاضة “ملكية الهوى” أو منقسمة على نفسها، وتالياً تشويه صورتها أمام الداخل والخارج. وبالمقابل، يردّ ناشطون بأن الشعار الأوسع في الاحتجاجات داخل إيران ظل واضحاً: رفض الشاه ورفض الملا معاً، والهتاف ضد الظلم “مهما كان اسمه”.
“تضخيم الأرقام” وتحويل الحشود إلى “بيعة سياسية”
في سياق صناعة الانطباع، تبرز أيضاً مسألة الأرقام التي تتحول بسرعة إلى سلاحٍ دعائي. وكالة “أسوشيتد برس” نقلت تقدير الشرطة الألمانية لمشاركة تقارب 250 ألفاً في تظاهرة ميونيخ (14 فبراير/شباط 2026) التي تزامنت مع مؤتمر ميونيخ للأمن، وجاءت ضمن ما سُمّي “يوم عمل عالمي” دعت إليه جهات مرتبطة برضا بهلوي.
لكن الاعتراض الذي يطرحه كثيرون داخل أوساط إيرانية معارضة ليس فقط على الأرقام، بل على “تسييس الرقم”: أي تصوير كل حشدٍ ضد نظام خامنئي وكأنه “تفويض” لبهلوي أو “استفتاء” لعودة الشاه. هنا تحديداً تقع آلية “اختطاف الانتفاضة” التي حذّر منها تقرير “International Policy Digest”: ربط حركة شعبية متشعبة بوجه واحد، ثم تحويل ذلك إلى رواية جاهزة تُبثّ للخارج وكأن الإيرانيين عادوا إلى ثنائية “شاه/ملا” التي يرفضونها أصلاً.
رضا بهلوي وخيار “الاستقواء بالحرب”
يزداد هذا الجدل حدةً حين يتحول خطاب بعض رموز التيار الملكي إلى الترحيب بالتدخل العسكري الخارجي كطريق إلى السلطة. تقارير صحافية نقلت عن رضا بهلوي دعوات إلى “تدخل/هجوم” أميركي يمكن أن “يسرّع” سقوط النظام، في وقت يدفع فيه جزء واسع من الإيرانيين باتجاه معادلة مختلفة تماماً: “لا حرب خارجية ولا مساومة”.
وهنا تلتقي الحلقة الإيرانية مع تجربة المنطقة الأوسع: فالمجتمعات التي خبرت الحروب تعرف أن الحرب الخارجية غالباً ما تمنح الأنظمة القمعية ذريعة ذهبية لمزيد من البطش، وتفتح الباب لسيناريوهات فوضى طويلة. لذلك يصرّ كثيرون على أن الطريق الواقعي ليس استدعاء حربٍ جديدة، بل دعم تغييرٍ يصنعه الداخل.
“إذا لم يُرِد ترامب تكرار خطأ أوباما… ولا الوقوع في فخ العراق”
في هذا الإطار، جاء تحذير لافت من “The Wall Street Journal” (قسم الرأي) يقول إن طهران بعد قمع احتجاجات 2009 كانت تراهن على “مقايضة” صمت واشنطن بمسار تفاوض نووي، وإنها اليوم تأمل أن يكرر ترامب الخطأ نفسه.
ومن هنا يمكن صياغة “الدرس العملي” الذي يتداوله معارضون إيرانيون: إذا كان ترامب لا يريد تكرار مقاربة أوباما التي تُغري النظام بإطالة الوقت عبر مفاوضاتٍ لا تنتهي، وإذا كان لا يريد أيضاً تكرار كلفة الحروب الكبرى على طريقة العراق وما ولّدته من فوضى، فهناك “خيار ثالث” واضح: “لا حرب خارجية ولا مماشاة ولا استمرار تفاوض بلا سقف”. بل الاعتراف بحق الإيرانيين في مقاومة الاستبداد، ودعم البديل الديمقراطي المنظم داخل إيران، والرهان على “المقاومة المنظمة” والشبكات التي تتحرك في الشارع وتدفع ثمنها بالدم.
خلاصة المعركة، كما يراها كثيرون داخل إيران وخارجها، ليست اختيار وجهٍ جديد للاستبداد، بل كسر منطق الاستبداد نفسه. ولذلك فإن كل محاولة لربط الانتفاضة بـ”الشاه” ليست مجرد اختلاف سياسي، بل محاولة لتغيير معنى الانتفاضة: من ثورة شعبٍ ضد الدكتاتورية إلى قصة تُرضي ماكينة التضليل… بينما الشارع يردد: “لا شاه ولا ملا”، والرهان يبقى على الشعب والمقاومة المنظمة.