أنا ابنُها، لا ذاكرةً ناقلةً عنها، بل شاهدٌ على ملامحها حين كانت تنبض في تفاصيلها اليومية، على ضفاف دجلة، وفي أزقّةٍ تحفظ وجوه الناس وأصواتهم كما تحفظ الأرض أسرارها القديمة.
أتحدث عن بغداد لا بوصفها مدينة تُرى من بعيد، بل ككائنٍ يسكن في داخلي؛ مدينة أعرف نبضها كما يعرف الابن نبض أمّه، وأحفظ ملامحها كما تُحفظ السيرة في القلب لا في الكتب.
بغداد التي عرفتُها لم تكن حجارةً وشوارع فقط، بل كانت روحًا تمشي بين الناس، ودفئًا يسبق الكلام، وذاكرة تتكئ على التاريخ ولا تنكسر به. مدينة كلما اشتد عليها الزمن ازدادت حضورًا في الوجدان، كأنها تُقاوم الفناء بالمعنى لا بالمادة.
عرفتُها كما يعرف المرء تفاصيل أهله: في ضحكة عابرة، في حديث شارع، في ظل نخلة، وفي صمت المساء حين يهبط على دجلة كستارٍ من السكينة. كانت بغداد تُعلّمنا أن المدن ليست ما نراه فقط، بل ما يبقى فينا منها بعد الغياب.
وإن طال البعد، فإنها لم تبتعد.
تبقى في القلب كما تبقى الأم في قلب ابنها، وكما تبقى الذاكرة حين يعجز النسيان. تتغير ملامحها على الأرض، لكن صورتها في الروح لا تشيخ.
أنا لا أكتب عنها كحنين إلى ماضٍ انقضى، بل كإيمان بأن المدن التي تُولد من التاريخ لا تموت، بل تمرض أحيانًا، وتنهض، وتعيد ترتيب نبضها على مهل.
سلامٌ عليكِ يا بغداد…
يا مدينة لا تُغادر أبناءها، حتى وإن غابوا عنها.
محمود ذياب الأحمد