رأيت رسالة مارتين على شاشتي.
سؤال ودّي، قصير وواضح: “هل ستقوم أنت بالمهمة؟”
تسمرت أصابعي للحظة فوق لوحة المفاتيح. ليس لأنني لا أعرف ما أجيب، بل لأنني أسمع صدى مئات اللحظات المشابهة. السؤال يبدو بريئاً، لكنني أعلم أن الخطوة الأولى كثيراً ما تحدد الفرق بين باب يُفتح… أو يُغلق بهدوء دون أن يلاحظ أحد.
قلبي يريد أن يقول: نعم، سأفعل. لكن عقلي يهمس: أتتذكر يا عاطف؟ كم مرة وضعت المفتاح في القفل، ثم جاء شخص آخر وأخرجه؟
في ذاكرتي أسمع صوت الأقفال وهي تُدار. أحياناً بصوت عالٍ وحاد، وأحياناً بصمت، لكن دائماً بنفس الرسالة: لست أنت.
أنا هولندي.
هولندي من أصل مهاجر.
وأقولها بصراحة – هولندي يحمل ندبة/ عاهة كبيرة.
ليست من حرب، ولا من حادث، بل من سكين الإقصاء البطيء. من مجتمع يقول: كن مخلصاً، اعمل بجد، تكيف, إندمج, إنصهر – ثم يمنعك في اللحظة الحاسمة من الدخول.
على مدى خمسة وثلاثين عاماً، بنيتُ. درستُ. استثمرتُ. أبدعتُ. خاطرتُ من أجل مشاريع وفِرَق عمل ومؤسسات وشركات. وفي كل مرة، عندما تحين ساعة الحصاد، تأتي يد تقول: شكراً، سنتولى الأمر الآن. ثم يتم إختيار شخص من الدائرة المألوفة.
القانون صارم معي، ومتساهل معهم. السيرة الذاتية تختفي، والخبرة تتبخر. هناك دائماً سبب، لكن نادراً ما يكون هو السبب الحقيقي.
يشبه الأمر الحمار الذي يضرب رأسه بالحجر نفسه مراراً. لكن – الحمار يتوقف بعد ضربتين أو ثلاثة مرات. أما أنا فظللت أؤمن بالعدالة.
ومع ذلك… هنا، في الفريق الحالي، الأمر مختلف.
أرى وجوهاً تُصغي بصدق. أصواتاً لا تشبه حراس البوابات، بل رفاق الرحلة. ربما القدر – أو الله – وضع هؤلاء الناس في طريقي. ربما تم أخيرا السماح لي هنا أن أبني حقاً.
لكن قصتي أيضاً هي قصة اختيارات. رفضت أن أنزل إلى مستوى ما يسميه البعض “ريادة أعمال” بينما هو في الحقيقة استغلال جشع صريح.
لأنني لم أرد أن أفتح متجراً “إثنياً” حيث واحد فقط من كل خمسة موظفين لديه عقد عمل قانوني، بينما البقية يعملون في الظل – بلا معاش تقاعدي، بلا إجازات مدفوعة، وبلا ساعات عمل ثابتة.
لأنني لا أريد أن أكون جزءاً من عالم العمل المؤقت المظلم، حيث يسيطر “تجار البشر” و”المتعهدون” منذ سنوات، ينقلون الناس كما تُنقل الصناديق في المخازن – مُستهلكة، منهكة، ثم تُلقى جانباً.
لأنني لا أريد أن أفتح شركةللقيام بأعمال النظافة تستغل المهاجرين واللاجئين الحاصلين على الإقامة المؤقتة مقابل أجور زهيدة، بظهور منحنية وأيام لا تنتهي.
لأنني أستطيع أن أقدم أكثر بكثير من الدور المُهين الذي عادة ما يفُرض عليّ. لأن مساهمتي، ومعرفتي، وخبرتي لها قيمة لا تُقاس بالمال الأسود أو العقود الناقصة.
لذلك طلبت من مارتين، بهدوء لكن بحزم: اتخذ أنت من فضلك الخطوة الأولى. ليس لأنني لا أجرؤ، بل لأنني أعلم أن بعض الأبواب لا تُفتح إلا إذا أدارت المفتاحَ يدٌ مألوفة.
قصتي ليست شكوى.
إنها شهادة.
من شخص عادة ما أُخرج كثيراً من الباب الخلفي، لكنه عاد دائماً.
لأن هذا البلد أيضاً وطني. لأنني أرفض أن يتم إختزالي إلى شخصية هامشية في حياتي العملية. لأنني أرفض أن أصدق أن مستقبلي تحدده الدوائر الضيقة الفاسدة والكوسة.
وأقول لإخواني في الوطن: لا تُغلقوا الباب قبل أن تروا من يقف خلفه, وتعرفوا أي مفتاح قد يحمله معه لمواجهة التحديات وتحقيق طموحات مستقبلنا المشترك.