أخبار عاجلة
الرئيسية / عالمي / الاخصاء … ! بقلم صلاح المختار

الاخصاء … ! بقلم صلاح المختار

في احدى الحظائر تم فصل الابقار عن الثيران بسور من الاسلاك الشائكه لغرض التلقيح في وقت معين جاء احد الثيران وقد ثارت غريزته ولم يستطيع الصبر حتي اليوم المحدد فسأل عن كيفية عبور الاسلاك الشائكه،فدلوه علي (كبير الثيران) وكان يجلس بعيدا، فجاء اليه وسأله :ياسيدي كيف اجتاز السور كي اشبع شهوة تكاد تقتلني؟ فأجابه: بسيطة جدا ،ابتعد عن السور مسافة 100 متر واجري  بسرعة واقفز من اعلى السور وحقق غايتك. فرك الثور يديه فرحا ولكنه سرعان ما عبّس وسأله: افرض يا سيدي اني اخطأت الحسابات ساتعلق بالاسلاك ولربما اخسر اعضائي التناسليه فماذا افعل؟ حينها قال الثور الكبير : ستجلس بجانبي وتصبح اقصى امانيك ان تحلم فقط بمضاجعة الابقار .

هذه القصة الطريفة تصلح كدرس للثيران الذين لاهم لهم الا مضاجعة الموقع الاول ورفض الحياة بدون الحصول عليه او البقاء موقعهم ومن اجله يدعمون الظلم والانحراف! ان اهم مظاهر الاستبغال في حركة ثورية هي اخصاء الكادر المتقدم وهي عملية حتى وان كانت دوافع من يقوم بها احيانا سليمة من حيث المبدأ في حالات البناء للدولة الجديدة لانها تحافظ على البناء الثوري من التأمر المعادي المتعدد الجهات الا انها عملية ظرفية مؤقتة يجب ان لاتتحول الى تربية حزبية تستمر لعقود لانها ستؤدي ليس فقط الى عكس المطلوب منها وهو حماية التجربة الثورية بل سنجد ان هذه التجربة صارت بيروقراطية منفّرة وانتفت الصفة الثورية عنها ! لان الثورية عملية جماعية يقوم بها الجهاز الحزبي من القاعدة الى القمة ، وبروح خلاقة تعتمد على المبادرة الحرة من اجل ضمان تفتح كافة الازهار في حديقة الحزب بكافة الوانها وعطورها لانها توفر راحة النفس وتطلق عبقريتها. ولكن عندما يستمر ما هو ظرفي لعقود ورغم زوال السبب الذي فرضه فان عملية اخضاع الكادر للطاعة العمياء بما فيها قيادة الحزب الثوري بحجة حماية الحزب يحول المناضل الى شرطي في مركز شرطة لايتقن الا عبارة (تأمر سيدي)، يدعم رئيسه سواء كان نقيا وعظيما او فاسدا وظالما ، ومن هذه النقطة يبدأ خراب الحزب حتى وان استمر بفضل قوة اجهزة الدولة بعد فقدان حرية النقد والحوار .

لدينا مثال انموذجي يوضح الاخطار الكامنة لظاهرة الاخصاء، فستالين القائد السوفيتي الشهير يعد عظيما بكل المقاييس الموضوعية لانه هو وليس لينين من بنى الاتحاد السوفيتي ولولا حزمه وعزمه الذي لايلين لما وجد الاتحاد السوفيتي بصورته التي عرفناها كقوة عظمى، فالارادة الفولاذية لستالين والقسر الشامل الذي مارسة داخل الحزب وفي الدولة السوفيتية ادى الى حشد كل طاقاتها من اجل نقل روسيا نصف الاقطاعية نصف الرأسمالية الى دولة متقدمة جدا ضاهت امريكا وتفوقت على دول اوربا في قوتها وفاعليتها، وما قام به ستالين وبنى به هذه الدولة العظيمة،هو اخصاء الكادر  وجعله مجرد منفذ لا رأي له والانفراد بالقيادة، كانت البذور التي هدمتها لاحقا ! فكيف حصل ذلك ؟

عندما كان لينين قائدا لاينافسه احد كان تحت قيادته قادة كبار كل منهم يتميز بعبقرية خاصة فتروتسكي كان عقل الحزب المفكر بعد لينين وبنفس الوقت كان قائد الجيش الاحمر فهو مفكر وقائد عسكري في ان واحد، ولهذا كان مؤهلا لقيادة الدولة السوفيتية بعد رحيل لينين، وكان مقابل ذلك ستالين رجل العمل والنضال الشرس وكان شقاوة ( باللفظ العراقي) او قبضاي ( باللفظ السوري) وكانت المهمات التأديبية يكلف بها ستالين، ولكنه ايضا كان مثقفا وان لم يكن بمستوى تروتسكي، والى جانبهما كان قادة ومفكرون كبار مثل زينوفيف وكامينيف واخرين. واشعل مرض لينين صراع الخلافة بين كل هؤلاء،وكان ستالين بحكم تحسبه المسبق قبل تولي منصبا في الحزب البولشفي كان القادة الكبار يستنكفون من توليه وهو الامين العام وهو منصب اداري في تلك الفترة ومهمته ادارة العلاقات بين قائد الحزب لينين والجهاز الحزبي فهو يوصل التعليمات ويتلقى التقارير ويرفعها للمكتب السياسي وللينين.

لكن ستالين وهو يضع عينه على الموقع الاول بعد موت لينين قبل الموقع ومن خلاله قام بأجراءات تبدو ادارية صرفة ولكنها انطوت على نتائج خطيرة حيث انه كان يقوم بنقل الكوادر من مسؤولية الى اخرى وتعيين انصاره في مواقع الحسم سواء بأمر من لينين او منه لان مرض لينين سمح له بذلك، فضمن دعم الكوادر له ، ولهذا فعندما مات لينين باشر ستالين بتصفية كافة القادة الكبار خصوصا المفكرين منهم كي ينفرد بسلطة القرار وضمان منع التشرذم لاجل تحقيق نهوض سريع بلا معوقات داخلية،وبلا تعدد القادة ولكل منهم تأثيرات كبيرة، فقتل تروتسكي، واذل كامينيف وزينوفيف واخرين وكان يعاقبهم مستغلا اخطاءهم وان لم يرتكبوا اي خطأ لفق لهم تهمة وجلبهم الى اجتماع شامل للكادر وطلب منهم نقد الذات والاعتذار امام الجميع ومن لايقوم بذلك ينفيه الى سيبريا او يعدمه، وهكذا انفرد ستالين بالسلطة فتفرغ للقيام بأعظم تغيير في الاتحاد السوفيتي مهد لنهوضه الكبير لكنه بنفس زرع بذور انهياره.

بتفرده بسلطة القرار كانت الخطط تنفذ فورا مهما كانت صعبة وقاسية فحشد ستالين كل طاقات الدولة والمجتمع واتخذ قرارات غير مسبوقة لضمان النهوض السريع واحباط مخططات الغرب الخطيرة بما في ذلك قيامه بنقل قوميات كاملة من موطنها الى اماكن الاخرى لازالة العقبات الداخلية ، وكان هدفه وطنيا واشتراكيا في ان واحد، رغم انه لم يخلو من الحافز الشخصي، لان تفوق الغرب بمراحل لايمكن انهاءه الا بحشد طاقات جبارة وهو هدف من المستحيل تحقيقه بنظام ديمقراطي تعددي يمنع الاجراءات القسرية المكلفة انسانيا. وفي نهجه هذا تبنى نظرية (حرق المراحل) والتي وان حققت تنمية سريعة الا انها تقتل الانسان الحر المبادر ،فالتطور الذي حصل في اوربا بثلاثة قرون اختصره بثلاثة عقود تقريبا وهكذا نجح بنقل الاتحاد السوفيتي الى دولة عظمى متقدمة .لهذا فان سياسة حرق المراحل ورغم نجاحها في اقامة دولة عظمى كانت ايضا اهم عوامل فقدان روح المبادرة الخلاقة والاعتماد التام على بيروقراطية الزجر والقهر داخل الحزب وفي الدولة،فأصبح الكادر يخشى النقاش والنقد ويتجنب طرح مبادرات وتلك من اهم ديمومة اي قوة ، وهذه الممارسات زرعت بذور تهديم الدولة بعد عقود في بداية تسعينيات القرن الماضي عندما لم يقف الكادر بوجه مؤامرة تفكيك الاتحاد السوفيتي لانه تم اخصاؤه مسبقا ليخدم التنمية فقط ،وانفرد بضعة قادة بالرفض الانقلابي لكنهم سحقوا من قبل رفاقهم لانهم كانوا معزولين نتيجة اخصاء الكادر !

الحزب الشيوعي لم يعد ثوريا بل اصبح اداة بيروقراطية صرفة واجبها تنفيذ الاوامر بلا نقاش ومن يناقش يقصى واصبح الجميع لايعترضون حتى لو اقتنعوا بوجود انحراف! اصبح الكادر عبارة ادوات مطيعة لايهمها من يقود بل جل ما تريده هو بقاءها في مواقعها، وتلك بداية النهاية لاي حزب ثوري حقيقي.تحولت مركزية واستبداد ستالين من اداة بناء عظيم الى اداة تهديم خطيرة بعد ان نشأت كوادر ثقافتها نمطية ليس فيها ابداع ولاتعرف الا لغة (تأمر سيدي) ! وصار الاخصاء ظاهرة تتحكم بالحزب الشيوعي السوفيتي! ولهذا لم يظهر في زمن ستالين ومن بعده خروشوف اي مفكر بارز غير سوسلوف وكان منفذا للاوامر وليس من طراز العباقرة تروتسكي وزينوفيف وكامينيف !والان هل عرفتم مغزى قصة الثور ؟

الدرس الاعظم من تجربة الاتحاد السوفيتي وغيرها هو ان اي اجراء قسري مشروع هو ابن مرحلة ولا يمكن استمراره لمراحل عديدة لانه سوف يخصي الكادر وهو القوة الفاعلة وما ان يخصى الكادر حتى تكون تلك نهاية الحزب الثوري حتى لو بقي عقودا، وما لم تبقى الديقمراطية داخل الحزب الثوري خصوصا اهم صيغها وهو مبدأ النقد والنقد الذاتي متاحا وبلا ابتزاز او قسر فان الروح الثورية تغيب حتما .وهنا نرى ان اجهزة المخابرات في العالم الحديث اعتمدت على اخصاء الكادر بطرق مختلفة للوصول الى اسقاط العدو بدون حرب كلاسيكية من الخارج فالحرب الحديثة تهدم البنى التحتية للعدو قبل تهديم مقر الرئاسة او مركز الحزب، وعندما يتحقق ذلك تنهار الدولة كما ينهار الحزب بنفس سهولة انهيار الاتحاد السوفيتي .

ولئن كان اخصاء الكادر بالنسبة لستالين هدفه بناء دولة عظمى الا انه الان اصبح وسيلة اجتثاث للحزب الثوري من داخله وباسمه! اذ يكفي ان تعثر على كوادر مخصية حتى تستطيع احتواءها بطرق مختلفة منها دعمها لتتولى اعلى المواقع ثم تبدأ من مواقعها هذه بتصفية الكوادر التي تملك روح الابداع والتقدم. والدرس التاريخي الاعظم من تجربة الحزب الشيوعي السوفيتي هو ان الرفض التام والشجاع للاخصاء لاينقذ الحزب من السقوط فقط بل ينقذ الامة كلها لان الحزب الثوري هو الامل في الانقاذ وعندما يتم اخصاؤه بأخصاء كوادره فان تحرير الوطن يصبح حلما لمن فقد رجولته فلا مجال للمساومات ولا للتراجع مهما كلف المناضل موقفه الشجاع، وفي مراحل كشف المخبوء تتبلور عملية فرز واضحة بين الخصيان والشجعان: فالخصيان يبقون اسرى ثقافة (تأمر سيدي) والمخصي عندما يرى غيره منبطحا يقلده بينما الشجعان تحركهم المبادئ والقيم العليا دون اي اهتمام بالاجراءات الشكلية لانها وجدت لتخدم المبادئ وعندما تهدد الشكليات المبادي فان المحافظة على المبادئ  يصبح الهدف الاعظم وليس التقيد باشكال العمل.

4-9-2021

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *