أشار كثير من المراقبين على ان خيار الرئيس ترامب على المفاوضات كبديل للحرب جعل ايران تتصلب في مواقفها وتحصل على ماتريد في المفاوضات التي انتهت بالاتفاق الذي عرف بمذكرة التفاهم، لذلك اطلق البعض على المذكرة وصف أسوء من اتفاق اوباما مع ايران عام 2015 ، واوباما أيضاً وصف المذكرة بأنها ليس أفضل من الاتفاق الذي أبرمناه في البداية والذي عملنا عليه لفترة طويلة قبل أن تنسحب الولايات المتحدة منه”، وقد وجه رسالة ساخرة إلى الرئيس ترامب مفادها: “أنت تعيد اختراع العجلة التي حطمتها بنفسك” وانتقد المذكرة كونها لا تعالج جذور مشكلة الملف النووي .. بينما برر بعض المحلليين السياسيين تنازلات الرئيس ترامب والتخلي عن خيار الحرب من اجل الفوز بالانتخابات النصفية التي سوف يتم اجراؤها في بداية نوفمبر القادم للوصول الى الولاية الثالثة .. مؤكدين ان ترامب قد راهن على طبيعة الشعب الأمريكي الذي اعتبرته كثير من المؤسسات البحثية هو شعب أقرب إلى اللامبالاة لما يحصل خارج الولايات المتحدة وان الاغلبية لا معرفة لهم بالصراعات الدولية بل الكثير من الشعب الأمريكي لا يعلم أين يقع مضيق هرمز ولم يفرقوا بين ايران والعراق خصوصاً حينما يكتب أسم البلدين في الحروف الإنكليزية، لذلك انصب اهتمام الشعب الأمريكي في السنين الآخيرة على مشاكله الحياتيه وبالدرجة الاولى مشكلة السكن وفرص العمل ومشكلة ارتفاع الأسعار وخصوصاً الوقود الذي تجاوز سعر لتر من البانزين في بعض الولايات خمسة دولارات، لهذا اشار كثير من المراقبين ان مخاوف الرئيس ترامب من الحرب فقدان السيطرة على الأسعار التي تشكل خطر على نتائج الانتخابات النصفية، لذلك قام بترويج اكذوبة الانتصار كدعاية انتخابية والتبجح في تدمير القدارات البحرية الإيرانية، بينما ايران تمكنت من احكام قبضتها على مضيق هرمز واغلاقه في وجه الملاحة الدولية .. وكذلك التباهي في تدمير القوة الجوية والصاروخية الإيرانية بينما تعمدت ايران في اسقاط طائرة الأباتشي لا لتقول نحن هنا بل لتقول لترامب انت كذاب والنصر الذي تدعيه والتصريحات المتناقضة مجرد اوهام خصوصاً ترديد أسطوانة “لن نسمح لايران امتلاك السلاح النووي” ومرة اخرى تأكيده على ان الاتفاق النهائي بعد 60 يوم سوف يمنع ايران من امتلاك السلاح النووي، وقد اعتبر ذلك هو النصر الحقيقي الذي سوف يحقق الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط والعالم وسوف يخفض أسعار الطاقة ويوفر فرص العمل وهذا ما يريده الشعب الأمريكي .. بينما كثير من المختصين شكك في كلام ترامب المتناقضة وشكك في تنفيذ أغلب بنود المذكرة ومنها تسليم اليورانيوم، والصواريخ الباليستية، والتخلي عن الأذرع، بأعتبار ان ماورد في بنود مذكرة التفاهم عن تلك الفقرات كلام سطحي ومبهم ويمكن ان يسوّف من خلال المراوغة والكذب، لان المعروف عن ايران ضليعة في المكر والخداع وشراء الوقت مؤكدين استحالة تخليها عن مشروعها النووي وعن نفوذها في المنطقة، وقد اشارت الصحفية راغدة درغام مديرة مكتب جريدة الحياة في نيويورك .. ترامب أعطى إيران تماماً ما تريد…، وحصلت على شبه وصاية إيرانية على منطقة الشرق الأوسط بإقرار أميركي، وانتقدت قول ترامب في قمة السبع بإنه أوقف الحرب وفتح مضيق هرمز لكنه لن يتمكن أن يقول إنه اجبر إيران بالتخلي عن السيطرة على المضيق، واشارت إلى ان ايران تريد جر المفاوضات تدريجياً إلى صفقة الإقرار بنفوذها الإقليمي في الصيغة النهائية للاتفاق .. وفي نفس السياق اشار كثير من المراقبين ان ما حصل مسرحية واتفاقات مبطنة الغرض منها بقاء المنطقة في حالة عدم استقرار وصراع دائم وهذا يعني ان امريكا ليست غير قادرة على هزيمة ايران عسكرياً وانما غير راغبة في تغيير النظام لان الحاجة تقتضي وجودها مركز تهديد في المنطقة، وهناك مؤشرات على حماية النظام من السقوط منها السكوت عن جرائم النظام بحق المتظاهرين وتركهم يذبحون دون ان يفي الرئيس الامريكي بوعوده في حمايتهم مما ساعد ذلك احكام القبضة الحديدية للنظام على البلاد .. وقد تسائل الكثير من الناس كيف يمكن للشعب ان يثور والجميع يعلم ان يد النظام مطلقة بارتكاب المجازر دون ردع من امريكا والمجتمع الدولي الذي يدعي الإنسانية. وأيضاً كيف يمكن ان يصدق الناس ان ايران تعادي امريكا وهي اليوم تتفاوض وتتفق مع من قتل المرشد الأعلى والقادة العسكرين وتبرم معها الاتفاقات بعد ان كانت تسميها بالشيطان الأكبر.
بينما هناك آراء مغايرة تعتبر مذكرة التفاهم استسلام إيراني بالكامل لوجود بنود وتفاهمات مبطنة تحت الطاولة لم يتم الإعلان عنها حفاظاً على كبرياء ايران ورفضها الإقرار بالهزيمة، لان هناك حاجة الى تهديداتها لدول المنطقة ..
ولكن دعونا نعود الى مناقشة ركن مهم من المذكرة فيما يتعلق بشرط تخلي ايران عن اذرعها فقد أشار احد المعلقين بسخرية من ادعاء امريكا قبول ايران هذا الشرط في الوقت الذي رفضت إستمرار المفاوضات مالم تتوقف اسرائيل عن ضرب حزب الله وقد حقق لها ترامب ما تريد وأجبر نتنياهو على ذلك. فهل هذا يعني قبول ايران التخلي عن اذرعها، والغريب بعد ادخال فقرة عدم اعتداء اسرائيل على لبنان في المذكرة، كان من الاولى بالمقابل ادخال فقرة عدم اعتداء ايران على دول الخليج العربي .. إلا يعني ذلك تجاهل ترامب في الدفاع عن حلفائه الاستراتيجيين، بل مؤشر على اطلاق يد ايران بالتدخل في شؤون تلك الدول وفق ايدولوجية التوسع المذهبي لكي يرتمي العرب في احضان اسرائيل بعد ميل امريكا نحو ايران والإيحاء بأن اسرائيل هي العدو الحقيقي لايران ولابد من كسر الجمود أمام التطبيع معها، وفتح الأبواب لابرام الاتفاقات الإبراهيمية التي نوه عنها ترامب بشكل مفاجئ خلال المفاوضات وهذا يعني هناك اتفاقات مبطنة لخداع العرب ودفعهم للذهاب نحو اسرائيل لتكون الملاذ الذي يمكن الاعتماد عليها في مواجهة تهديدات ايران بدلاً من البرغماتية الأمريكية التي لا تحترم مبدأ ولا عهد، فضلا عن محاولة ترامب جر سوريا للتدخل العسكري في لبنان لمواجهة حزب الله بدلاً من اسرائيل من اجل حمايتها وأبعادها عن الضربات الصاروخية للحزب وهذا ما يؤكد ان الخلاف بين امريكا واسرائيل خلاف مصطنع او خلاف تكتيكي لان الشرق الأوسط الجديد لا يمكن ان يكتمل من غير ان يكون هناك صلح وتطبيع بين العرب واسرائيل ولا يمكن ان لا يكون هناك دور ريادي لاسرائيل في المنطقة، مع شراكة ايران في ذلك المشروع، لهذا امريكا في غاية الحذر والحرص على بقاء النظام الايراني الذي له دور مرسوم في تشكيل خريطة الشرق الاوسط الجديد، لذلك يضغط الرئيس ترامب على نتنياهو من اجل التهدئة مع الطرف الايراني من خلال التوقف عن ضرب حزب الله في لبنان، ولكن نقطة الخلاف ترتكز على توازنات القوة في المنطقة وفق معادلة جعل ايران أضعف من اسرائيل واقوى من العرب لكي يندفع العرب نحو الاقوي من اجل تحقيق الاتفاقات الإبراهيمية لاكتمال مشروع الشرق الأوسط اللعين.