د.عاطف حمدي/ أمستردام
أحياناً تكشف الصحافة ما كان واضحاً منذ زمن للمتعمق الذي يعرف أطراف المجتمع الهشّة. التقرير الاستقصائي الأخير في صحيفة فاينانشيال داغبلاد حول الانتهاكات المرتبطة بالعمالة المهاجرة هو من هذا النوع: دقيق جدا، فاضح، ومهني. لكنه بالنسبة لي ليس اكتشافاً جديداً، بل صدى لماضٍ لم يغادرنا أبداً.
منذ أكثر من ثلاثين عاماً، عندما وصلت إلى هولندا، ثم لاحقاً خلال دراستي الجامعية وكتابة أطروحتي عن الهجرة واللاشرعية، رأيت بوضوح ما يقال اليوم وكأنه مفاجأة. الاستغلال لم يكن استثناءً، بل بنية. لم يكن خللاً، بل سوقاً. محركاً صامتاً لقطاعات كاملة من الاقتصاد الهولندي، حيث يُقاس الإنسان لا بقيمته، بل بمدى ضعفه وهشاشته.
الاستغلال ليس عيباً في النظام، بل أحد أعمدته. فالأعمال ذات الهوامش الضيقة لا تستمر إلا بوجود من يملكون حقوقاً أقل. ليسوا أقل موهبة ولا أقل طموحاً، بل أقل حماية. في المطاعم، يعمل الناس ساعات مضاعفة مقابل نصف الأجر. في البناء، تُستخدم عقود مؤقتة للهروب من المسؤولية. في الأسواق، يُخنق التمرد والاعتراض بالخوف من فقدان العمل. وفي قطاع التنظيف، تٌستًغًل الأمية والجهل — في اللغة الأم وفي الهولندية — لجعل العقود بلا معنى.
هذا ليس صدفة، ولا حوادث منفصلة. الاستغلال هنا نموذج ربح، استمر لعقود لأنه مربح.
الأخطر في هذا النظام ليس الظلم نفسه، بل إنفلاته بل وانقلابه الأخلاقي. فكما تقول حكمة قديمة: أعظم الظلم حين يتقمص الجلاد دور الضحية، ويُتهم الضحية بأنه الجاني. هذا هو جوهر الخطاب حول الهجرة في هولندا والغرب.
إن عمل المهاجر بجد، قيل إنه يزاحم الآخرين. وإن عمل بأقل جدية، اتُهم بالكسل والتربح غير المستحق. إن لم يتكلم اللغة، قيل إنه لا يريد أن يندمج. وإن تكلمها، بقي «غريباً». وفي كل الأحوال، يبقى المستفيد الحقيقي خارج دائرة الضوء: من يحتاج إلى العمل الرخيص ليبقي شركته علي قيد الحياه علي جثث العمالة المهاجرة.
الجميع يعرف ما يحدث، لكن الصمت سيد الموقف. نتظاهر بالدهشة من حجم الانتهاكات، مع أن من يريد أن يرى، كان يرى منذ سنوات.
لعقود نتعلق بقوانين أشد، مع أن المشكلة بنيوية. ونتهم المهاجرين بسرقة الوظائف وبالسعي وراء الامتيازات، من دون أن نسأل: من الذي يجذبهم إلى هنا؟
الحقيقة للاسف لن تكون مريحة. إنها لا تطلب الغضب، بل المراجعة.
فالمشكلة الحقيقية تكمن في عوامل الجذب الموجودة في الإقتصادات الغربية التي لا يريد أحد الاقتراب منها. هولندا، كما أجزاء واسعة من أوروبا، تقوم على منطق اقتصادي رأسمالي بحت. هنا لا يٌعتًبر العمل الرخيص رفاهية، بل شرطاً. أوروبا تستدعي الناس، ثم تعاقبهم عند وصولهم. وما يُصوَّر على أنه «طرقٌ على أبواب الجنة» ليس وهماً أخلاقياً، بل معادلة اقتصادية قاسية: طلب مٌلِح على عمالة رخيصة، وقطاعات تنهار من دونها، أرباب عمل لا يستطيعون أو لا يريدون دفع الأجر العادل لحياة كريمة، وأنظمة ودوائر إقتصادية تدور على أكتاف من لا صوت لهم.
المهاجرون لا يأتون لأنهم يحلمون بأوروبا. يأتون لأن أوروبا تحتاج إليهم — لكن المجتمعات الأوروبية لا تجرؤ على الاعتراف بذلك.
الغضب في المجتمع الهولندي مفهوم. الضغط على السكن، والرعاية الصحية، والمدارس، والأحياء حقيقي. لكن هذا الغضب كثيراً ما يُوجَّه إلى المكان الخطأ. ليس نحو من يكافحون للبقاء، بل نحو من يُستَغَلون. المشكلة ليست في العمالة القادمة من خارج البلاد، بل في سياسات نامت طويلاً، وفي اقتصاد اعتاد الاعتماد على العمالة الهامشية المطحونة، وفي شجاعة سياسية غائبة، وفي مجتمع يفضل الإشارة بالإصبع على النظر في المرآة والمواجهة.
ما كشفته فاينانشيال داغبلاد مهم، لا لأنه جديد، بل لأنه لم يعد ممكناً تجاهله. والسؤال ليس كيف يجب أن يتغير المهاجرون، بل ما إذا كانت هولندا مستعدة لأن تغيّر نفسها. فطالما بقيت عوامل الجذب قائمة، وطالما ظل العمل الرخيص جدا ضرورياً، وطالما ظل الاستغلال مربحاً، فلن يضطر أحد إلى طرق الباب.
فالباب مفتوح منذ زمن ويبقي كذلك.
د.عاطف حمدي إختصاصي العلوم السياسية وباحث في العلاقات الدولية واستشاري في العلاقات
الحكومية والأداء