أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / هل يمكن اعتبار القبض على الفاسدين خطوة نحو الإصلاح

هل يمكن اعتبار القبض على الفاسدين خطوة نحو الإصلاح

بقلم : طلال بركات/ أوروبا اليوم

كثير من تحدث وكتب عن صولة رئيس الوزراء على بعض الفاسدين في المنطقة الخضراء التي باتت حديث الساعة وهناك من أثنى ومدح، وهناك من شكك وتريث، والذي مدح اعتبرها خطوة جبارة لابد وان تستمر وتكبر مثل كرة الثلج لتشمل كل الفاسدين كبار وصغار من اجل استرداد المال العام مع تشديد العقوبة دون رأفة او التذرع بالعمر او المرض بل الضرب من حديد ليكون الجاني عبرة لمن يعتبر.

والذي شكك وتريث اعتبرها صولة بسبب افلاس الدولة أي لولا العجز في الميزانية لما تم إلقاء القبض على بعض الفاسدين من الدرجة الثانية لاسترداد بعض المبالغ لسد عجز النقص في الميزانية، وبعدها سوف تصدر بحقهم أحكام متواضعة وخجولة كما حصل لأقرانهم من اللصوص بالحكم ستة اشهر او سنه مع ايقاف التنفيذ .. مؤكدين ان ما حصل مجرد زوبعة في فنجان لاشغال للرأي العالم للتغطية على تردي الخدمات والكهرباء وارتفاع الأسعار وتدني الرواتب وخصوصاً المتقاعدين .. وآخرين اعتبروها عملية ناتجة عن ضغوط أمريكية الغرض منها أقناع الأمريكان قبل زيارة الزيدي الى واشنطن بأن الحكومة جادة في محاربة الفساد.

لذلك لا يهمنا تعدد الاراء والمواقف العاطفية سواء كانت إيجابية او سلبية ولكن المهم مناقشة الحدث بموضوعية من زاويتين :
الاولى : من الناحية القانونية وفق حديث رئيس الوزراء “سنذهب الى تسوية مع من يعيد اموال الفساد ونحفظ حق العراقيين وفق القانون”.. وللوقوف على هذا التصريح لابد من الإشارة إلى أنه لا يوجد في القانون قواعد تسوية بين لص وحق يعود للدولة، بمعنى ان قول رئيس الوزراء بالذهاب للتسوية تعني بوضوح اطلاق سراح من يعيد الاموال التي سرقها .. أي تحويل الفساد من جريمة الى صفقة قابلة للتفاوض، بمعنى استرداد جزء من ما سرق وترك ما تبقى من مقسوم مكافئة للسارق، أي عملية رشوى من قبل السارق الى الدولة للإفلات من العقاب، بمعنى خضوع الدولة لارادة الفاسدين وهذا ما يشجع اللصوص على التمادي في نهب ثروات الوطن ويشجع الآخرين التطاول على المال العام مادام هناك تسويات وأخذ ورد .. نعم التسوية قد تتم بين اشخاص متنازعين حول ملكية خاصة أي يتفق الطرفان على حل نزاع نابع عن ارث حول عقار مثلاً بطرق ودية، او في بعض الأحيان التسوية عند تجاوز البعض في بناء على ارض تابعة للدولة ويحل ذلك اما بدفع مبلغ تعويض يساوي اجر المثل او تهديم البناء إذا كان يسبب ضرر للآخرين.

بينما لا تجوز التسوية على اموال مسروقة تعود للحق العام لان القانون العراقي للمرافعات المدنية رقم 83 لسنة 1969 والساري المفعول أكد : لا يجوز تطبيق الصلح في جرائم سرقة المال العام .. والمعروف في كل النظم القانونية التعامل مع تلك السرقات كونها خيانة للأمانة ولا تقبل المقايضة والمساومة ويأخذ المجرم جزاءه وفق القانون كونها جناية مخلة بالشرف، بمعنى لو طبق ذلك لما تجرأ هؤلاء على التطاول على اموال الشعب لان جرائم الفساد في كل العالم لاتحل بالتسوية من خلال ارجاع بعض الاموال ولكم الباقي ثم اذهبوا وانتم الطلقاء كما حصل في قضية نور زهير بل تحل من خلال العقاب الصارم ليكون عبرة لمن يعتبر.

اما الثانية : من الناحية السياسية حول ما نشر في الإعلام عن اجتماع الإطار التنسيقي الأخير بحضور السيد الزيدي الذي اعتبره كثير من المحللين السياسيين صدمة مخيبة للآمال والا كيف يجتمع الذئب مع راعي الغنم مالم تكن هناك اجراءات قد تم الاتفاق عليها لكي يقدمها الزيدي لإرضاء الأمريكان عند زيارته المقبلة لواشنطن، وتلك الإجراءات لابد من الإطاحة برؤوس لصوص من الدرجة الثانية والتشهير بهم وتسليط الأضواء على سرقاتهم شرط عدم الوصول الى التماسيح الكبار، وكثير من وصف هذا الاجتماع عبارة عن صفقة بين الإطار والزيدي لغرض تسويف الموقف لأبعادهم عن الشبهات، لهذا اول من بارك خطوات الحكومة باعتقال الفاسدين كبار قادة الإطار كما ورد على لسان الحكيم والمالكي والعامري فضلاً عن الحلبوسي والخنجر، لهذا كثير من تسائل هل يجرأ الزيدي على الإطاحة بمن أوصلوه للحكم، والمثير للضحك مباركة رؤوساء وزراء سابقين لهذة الخطوة بينما كان في عهدهم وتحت أيديهم آلاف من ملفات الفساد وملفات الارهاب وملفات حول جرائم تتعلق بالشحن الطائفي ولم يقدم احد منهم على تسليمها للقضاء لان كانوا مشاركين معهم في كثير من تلك الجرائم، واليوم يباركون بسجن من كانوا بالأمس شركاء لهم وحسب قول الجواهري ان الذي اشكوه يشكيني .. لذلك اعتبر كثير من المحللين ان تلك المداهمات والاعتقالات ليست سوى مسرحية تم اخراجها وفق توافق سياسي بين القوى النافذة من قادة الإطار والزيدي لاقناع الآمريكان على تنفيذ طلباتهم .. مؤكدين ان الأوضاع في العراق لا تتحمل الحلول الترقيعية، وان صولة القبض على الفاسدين في المنطقة الخضراء لا تشفي غليل البائس والفقير والمظلوم لان ما حصل لا يدخل في خانة اصلاح الوضع المتردي في كل مفاصل الدولة العراقية لان منظومة الفساد هي من تسير الدولة وهي التي تستمد دعمها من قبل الطبقة المتنفذة في البرلمان وهو الوكر الذي يقوم بالصفقات المشبوهة، والجميع تحميهم الدولة العميقة التي تهيمن على العملية السياسية، المحمية هي الاخرى من قبل قوى اقليمية ودولية تشاركها في الفساد ..

لذلك يستحيل نهوض العراق مالم يتم تفكيك هذة السلسلة التي تعبث في مقومات البلد .. لهذا يتطلب اعادة صياغة مؤسسات الدولة بدأً في الرئاسات الثلاث والتحول الى النظام الرئاسي بسبب فشل النظام البرلماني الذي انتخب اغلب أعضاءه بالتزوير والرشاوي حسب اجندة الأحزاب المتسلطة، وغير ذلك ضحك على الذقون.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *