صلاح المختار
عندما نبدأ من النهاية تتضح البداية، لذلك ولكي نمنع النهاية المدمرة للامة العربية ونتمسك بجعل انتصار غزة انتصار لفلسطين والامة العربية وليس للغرب الاستعماري ولا للاسرائيليتين الغربية والشرقية لابد من الاجابة على السؤال التالي :ماهو سيناريو احداث غزة صهيونيا وايرانيا وامريكيا؟
1-انها خطوة اساسية اخرى على طريق تعزيز الغزو الايراني للاقطار العربية بهدف تقسيمها والغاء هويتها العربية واحلال هويات فرعية تجعل الاقطار العربية مثل العراق الان، وغزة هي المنطلق لهذه الخطوة، وكما كانت حرب تموز في لبنان هي المنطلق لسيطرة حزب الله التامة عليه ومنه انطلقت عناصرة للقتال في اكثر من قطر عربي فان المخطط الدولي والاقليمي يستهدف سيطرة حماس على الضفة الغربية لضمان احتكارها لتمثيل كل فلسطين،وباسم فلسطين وتحت غطاءها تبدأ لعبة اعادة تعظيم القوة الايرانية الغازية للاقطار العربية وتعويضها عن الخسارة السوبرستراتيجية التي حصلت لها بانتهاء الحاضنة الشيعية لها في العراق وانحسار هائل في الحاضنة الشيعية في لبنان، فأصبح اغلب الشيعة العرب فيهما ضد اسرائيل الشرقية وذلك انقلاب نوعي يهدد بأنهاء الدور التدميري الايراني.
وما قاله اسماعيل هنية هو محاولة دفع بديل لحزب الله بعد ان احترقت كافة اوراقه عربيا وعزل، وهو جزء من تلك اللعبة الامريكية الصهيوفارسية، سواء كان واعيا لها ام لا،فعندما اعتبر قاسم سليماني (شهيد القدس) وكررها ثلاثة مرات فذلك يعني انها خطوة تمهدية في المخطط العالمي والاقليمي للانطلاق من غزة لترميم القوة الايرانية الغازية بعد تدمير اغلبها في العراق ولبنان، وبما ان بناء هذه القوة يبدأ بتعزيز المعنويات المنهارة لنغول الفرس العرب،اضافة للتدهور المعنوي والاقتصادي داخل اسرائيل الشرقية، فليس اكثر دعما لاعادة زخم الاستعمار الفارسي من شهادة فلسطينية تؤيد الدعاية الايرانية التي تقول انها تريد تحرير القدس وانها معادية لاسرائيل ولامريكا،واعتبار سليماني (شهيد القدس)،هي الشهادة المطلوبة في اقوى اشكالها رمزية لمواصلة التوسع الاستعماري الايراني.
2-وعندما يتحقق ارتفاع المعنويات الايرانية تتهيأ الفرص لامريكا ولاسرائيل الغربية للامساك بقوة اشد بالوضع الاقليمي وتسخيره لخدمة الاهداف المشتركة لامريكا وللاسرائيليتين الشرقية والغربية،وربما يبدو من نظرة سطحية ان الامر فيه تناقض ولكن التعمق يوصلنا الى حقيقة ان تعاظم التوسع الايراني في الوطن العربي يضمن اكمال عمليات التدمير المبرمج للاقطار العربية،وهذا هو القاسم المشترك بين امريكا والاسرائيليتين الغربية والشرقية. وما يؤكد ذلك ان ما حصل في غزة وما ينتظر منه اقترن بموقف امريكي مكمل وهو بدأ عملية تزويد اسرائيل الشرقية بالمال وابقاء المشروع النووي الايراني مع فرض رقابة شكلية عليه، كما اثبتت محادثات فينا،رغم انه وصل مرحلة امتلاك يورانيوم مخصب بنسبة تسمح لطهران بصنع قنابل ذرية،وهو ما اكده رئيس وكالة الطاقة الذرية يوم 28-5-2021 . واخر الادلة الحاسمة على المصلحة الامريكية في تعزيز الدور الايراني هو الرفض القاطع من قبل الرئيس الامريكي بايدن يوم 29-5 لمقترح القادة العسكريين الامريكيين الذين يطالبون بالرد عسكريا على تكرار القصف الايراني للقواعد الامريكية في العراق والسبب تأكيد ان ايران تنتصر وامريكا تنهزم، لان ذلك يضمن تواصل تخريب الاقطار العربية !
الهدف الجوهري الان هو تحويل حماس والجهاد الاسلامي وغيرهما الى ميليشيات فلسطينية تتشيع صفويا وتدريجيا وتكون تابعة لاسرائيل الشرقية كي تكمل ادوار الميليشيات في العراق ولبنان واليمن وغيرها،فنحن بأزاء مخطط محكم لجعل اسرائيل الشرقية تزداد قوة والعرب يزدادون تشرذما .وبهذا التكامل في خطط الاطراف الثلاثة فان الامة العربية الان تتعرض لانقلاب اخر في توازن القوى يشبه ما تحقق بعد حرب تموز في لبنان حيث تمتع حزب الله بشعبية عربية كبيرة استثمرها فورا لدعم اسرائيل الشرقية وهو ما ادى الى استكلابها في العراق وغيره، هنا نرى القيمة الخطيرة لتجيير الانتصار الوطني الفلسطيني الاخير لصالح حماس حصرا بواسطة الاعلام الغربي والصهيوني والفارسي رغم انه انتصار وطني الطابع ميدانيا حققته تضحيات كافة الفلسطينيين، والهدف هو تتويج حماس ملكا على الضفة الغربية وغزة، والمصلحة الامريكية الاسرائيلية الغربية في ذلك تظهر عندما نتذكر قول خالد مشعل ان حماس توافق على الحل السلمي للصراع وفقا للقرار 242 لاجل اقامة دولة فلسطينية تعترف بأسرائيل.
3- ولا يمكن فهم ما يجري دون الانتباه للواقع الستراتيجي الاقليمي فالخطر المباشر الاعظم في هذه المرحلة التي ابتدأت بوصول خميني للحكم الذي يهدد الامة العربية هو التفريس وليس الصهينة فخطر الصهينة يأتي بعد خطر التفريس بمراحل طويلة لسبب واضح جدا يتجاهله هنية عمدا هو وكل نغول الفرس العرب ،فالصهينة في فلسطين خطر سطحي لم يستطع اختراق الضمير العربي وهو مقتصر على المستوطنين الاجانب، العرب محصنون ضد الصهينة وخنادق الفصل بينهم وبين الصهاينة مازالت قوية بعد 70 عاما على غزو فلسطين، وما تحقق هو فقط اختراق ضمير المطبعين مقابل الفشل الذريع في اختراق ضمير الجماهير العربية التي خرجت مؤخرا كان فلسطين احتلت الان.
وهذه الحقيقة وحدها تكشف عورات هنية،فلو قارنا بين مخاطر التفريس والصهينة ماذا سنجد ؟ ان الاخطر من الصهيونية بمراحل هو صرخة العار التي اطلقها هنية وهو يصف سليماني بانه (شهيد القدس) ويكررها ثلاثة مرات، فقد كان منفعلا ومتحمسا جدا لدرجة انه اطلق العنان لمشاعره المكبوتة وهو عمل معاد لكل الامة العربية لان سليماني هو الجزار الاخطر الذي فاق جزار فلسطين نتنياهو بمئات المرات،وشواهدنا ليست الاتهام العام بل حاضر الموصل وحلب وعشرات المدن العربية التي دمرها قاسم سليماني وهجر ملايين العرب منها ،وكانت ميليشياته تسحق اطفال العراق بالدبابات ولاتكتفي بقتلهم بالرصاص وهو ما لم يصله عتاة الصهاينة لاننا رأينا اطفال فلسطينيين يشتمون الجنود الصهاينة وان ردوا فبالاعتقال العادي ولا يرمونهم تحت الدبابات ويحولوا الى هريسة كما فعلوا بأطفال العراق ورجاله ونساءه !
والذي لابد ان يعرفه العرب هو ان الاخطر من كل كوارث فلسطين هو ان ماحدث في العراق وسوريا ليس تغييرات سياسية ولا نفسية فقط بل هي تغييرات سكانية ضخمة تهدد الهوية العربية للقطرين فبالاضافة للتهجير المنظم للعرب من وطنهم تم توطين اكثر من سبعة ملايين غير عراقي ومنح اغلبهم الجنسية العراقية وهم فرس وافغان وباكستانيين وهنود واكراد (من خارج العراق) وغيرهم ولهذا فان دوائر الجنسية تشهد بصورة متكررة حرقا لها للتخلص من الوثائق التي تثبت الهوية العراقية وتسمح للاغراب بالبقاء فيه وتقرير مصيره، وهي عملية نفذتها امريكا واسرائيل الشرقية،وبسبب هذه التغييرات فان اكثر من مليون عراقي اضافة للاجانب تفرسوا نفسيا حتى وان بقيت لغتهم عربية لان ولاءهم المعلن صار لخامنئي وليس لوطنهم، والسبب هو ان ما يميز غزو الفرس عن غزو الصهاينة هو احلال الطائفية محل الهوية الوطنية والقومية لانه يجعل واشنطن وطهران اكثر قدرة على اختراق العراق وبقية الاقطار العربية،فتزاح العروبة عن عرشها ويحل محلها مجتمع اقليات متناحرة حتى الموت، وهذا الامر يحصل ايضا في سوريا واليمن ولبنان.
ولذلك فالسؤال المصيري لهنية وامثاله هو: كم نسبة من تصهين في فلسطين واحل الولاء للكيان الصهيوني محل الولاء لفلسطين؟الجواب واضح جدا فالصهينة فشلت حتى في الوصول الى 1% من الفلسطينيين حيث نجد حتى اعضاء عرب في الكنسيت مثل احمد الطيبي مازالوا محصنين ضد الصهينة ويشتمونها في الكنسيت.وهذا الفرق بذاته يؤكد باليقين ان التفريس اخطر من الصهينةبمراحل عديدة.
يا هنية وخالد مشعل وبقية رهط المتفرسين العرب الا ترون الفرق الجوهري بين الاستعمار الصهيوني المعزول عن العرب بقوة الحصانة الطبيعية وبين الاستعمار الفارسي الذي يستغل تداخل الخنادق بيننا وبينهم بسبب الدين الواحد والعنصر الطائفي؟ وعدم فهم هذه الحقيقة يفضي حتما لعدم فهم المغزى الخطير لمنح هنية صفة شهيد القدس لقسم سليماني فعندما نصور الامر على ان اسرائيل الشرقية هي الداعم الوحيد بالسلاح واحد اهم الداعمين بالمال لنضال فلسطين، ونتجاهل الدعم العربي لحماس ولغيرها فاننا بذلك نقدم الخدمة الاعظم لاسرائيل الشرقية التي تحتاج اليها حد الموت وهي تنهزم في العراق ولبنان وسوريا وتكاد تنهزم في اليمن،وهو الغطاء الفلسطيني كي تحافظ على غزوها وتوسعها في تلك الاقطار وتزيد تغلغلها في بقية الاقطار العربية دون انتباه ملايين البسطاء الى ان هناك مخططا فارسيا اخطر من المخطط الصهيوني فالفارسي مطامعه تشمل كل العالم الاسلامي ومنها العراق فقط وهو اكبر من فلسطين سكانا وارضا وقيمة ستراتيجية واقتصادية،اما الصهيوني فهو شمل فلسطين لكنه عجز عن احتلال العراق وسوريا ولبنان واليمن وهو ما نجحت فيه اسرائيل الشرقية.
ان اهم ظواهر الصراع الان هي ان الخطر الفارسي اشد تدميرا بمراحل من الخطر الصهيوني ومن يقدم عليه الخطر الصهيوني اما جاهل بحقيقة ما يجري او انه مجند لخدمة العدو الثلاثي،فهل عرفتم الان لم اثار تقديس هنية لقاسم سليماني رد فعل عنيف وشامل في العراق وسوريا واليمن وبقية الاقطار العربية واعاد طرح مسألة وجود الغام فارسية وصهيونية داخل حماس اخطر بكثير من الغام المطبعين ؟
4-قد لاينتبه البعض لحقيقة ان ما قاله هنية يعد الدعم الاكبر لخطة الصهونية عزل فلسطين عن وطنها العربي، ففلسطين وحدها لا تستطيع دحر اسرائيل الغربية ومن يدعمها عالميا،وكل تجارب القرنين الاخيرين تؤكد ذلك لان الامة العربية هي التي تستطيع تحقيق ذلك، والمقصود بالامة شعبها العربي، فالصلة العضوية بين العرب هي الضمانة الثابتة لمنع اكمال غزو فلسطين ،ولم يقدم التاريخ اي مثال على ان فلسطين حررت نفسها من الغزوات اليهودية المتكررة بل كان العراقيون هم من يحررونها قبل الاسلام، والسبب واضح ففلسطين رغم اهميتها الاعتبارية مواردها محدودة وسكانها عددهم قليل مقارنة بالعراق القديم والحديث بسكانه وموارده، فالامر ليس اختيار فقط بل هو امكانية قبل ذلك ،ولذلك قامت الخطة الصهيونية منذ تشكيلها في عام 1897 على عزل فلسطين عن الوطن العربي للانفراد بها ، والتطبيع كان عبارة عن محاولات سطحية اريد لها ان تحقق هذا الهدف ولكن لسوء حظ الصهيونية ومن معها فان تطبيع الانظمة لم يؤدي الى التطبيع الشعبي وهو الاهم، كما اكد الرئيس الامريكي جيمي كارتر وهو يحي السادات وبيجن بعد توقيع اتفاقيتي كامب ديفيد ،فبعد حوالي 34 سنة على بدأ التطبيع الرسمي مع مصر في عام 1977، ثم مع الاردن فشلت عمليات التطبيع الشعبي ومازل شعب مصر والاردن العظيم يرفض التطبيع بشدة،اما التطبيع الرسمي السابق واللاحق فهو ليس اكثر من لون مائي سوف يزيله غيث اول غيمة.
ان الدرس الاعظم لعقود الصراع العربي الصهيوني تؤكد بانه بدون الربط العضوي بين تحرير فلسطين وبين عروبتها فلا امل بتحريرها، وما لم يبقى النضال الفلسطيني جزء من نضال العرب لتحرير العراق وسوريا واليمن والاحواز وسبتة ومليلية والاسكندرون فلا تحرير لفلسطين،وما لم ننظر بعين واحدة لقيمة كل ارض عربية واعتبارها مساوية لغيرها وكل روح عربية مساوية لروح العربي الاخر،فلا امل بوجود عرب في الكرة الارضية، ان اخطر ما يهدد فلسطين الان ليس من طبع رغم انه خادم للصهيونية،بل من يتصرف بطريقة تعزل فلسطين عن بيئتها القومية العربية، وهناك من يثقف ضد العرب وبنفس الوقت يرفع مستوى مديحه للفرس حد التقديس وما اعتبار قاسم سليماني شهيد القدس الا مثال انموذجي خطير لهذا التوجه الخادم مباشرة للصهيونية قبل غيرها،وتلك خطة واضحة اذا اكتملت ستفضي الى تفريس عدد ضخم من شعبنا الفلسطيني كما حصل في العراق وسوريا واليمين ولبنان، وذلك هو التهديد الاعظم لعروبة فلسطين وفلسطينيتهامعا. يتبع.