أمستردام، 14 يناير 2026
نشرت صحيفة فاينانشيال داخبلاد الهولندية مؤخراً عرضاً لكتاب
“مجتمع الأقليات”
لعالمي الاجتماع موريس كرول وفرانس ليلي. يقول الكتاب إن المجتمع الهولندي يتغير بسرعة، وإن المواطنين من دون خلفية مهاجرة سيصبحون، خلال سنوات، أقلية عددية. ويرى المؤلفان أن هذا التغير ليس خطيراً، إذا تعلّم الجميع التعايش مع التنوع والتكيّف مع الواقع الجديد.
الفكرة تبدو بسيطة. بل مطمئنة.
لكن السؤال المهم هو: هل الأرقام وحدها تكفي لفهم الواقع؟
ما المقصود بالتنوّع؟
يتحدث الكتاب كثيراً عن التنوع، لكنه لا يشرح بوضوح ماذا يعني بذلك
هل هو اختلاف الأصول؟
أم اختلاف الثقافات؟
أم الفوارق في التعليم، والدخل، والفرص؟
حين نختصر التنوع في عدد السكان فقط، ننسى شيئاً أساسياً:
“عدم المساواة”
فالتنوع ليس مجرد وجود أشخاص مختلفين، بل هو أيضاً سؤال عن من يملك الفرص، ومن يُستبعَد. من يٌهمش ومن يصل إلى مواقع القرار.
التكيّف… مع أي واقع؟
يدعو الكتاب الهولنديين من دون خلفية مهاجرة أي الهولنديين الأصليين إلى التكيّف مع الوضع عندما يصبحون أقلية. لكن التكيّف مع ماذا؟
مع مجتمع لا يزال فيه كثير من المواطنين من ذوي الخلفية المهاجرة غائبين عن السياسة، والإدارة، والجامعات، ووسائل الإعلام؟
ومع سوق عمل يجدون فيه أنفسهم غالباً في وظائف هامشية مؤقتة منخفضة الأجر؟
أنا أعيش في هولندا منذ عام 1990، وتلقيت تعليمي كاملاً فيها. ما أراه ليس مشكلة نقص في الجهد أو الطموح، بل وجود حواجز مرئية وغير مرئية قوية، تمنع كثيرين من التقدم في وطنهم الجديد رغم كفاءتهم.
ما نراه هو تنوّع في الشارع… لا في القرار
صحيح أن مدناً مثل أمستردام وروتردام أصبحت شديدة التنوع، وتضم عشرات الجنسيات. لكن التنوع في الشارع لا يعني بالضرورة تنوعاً في مؤسسات الدولة المختلفة.
السؤال المهم هو:
أين يعمل هؤلاء الناس؟
وما حجم تأثيرهم في سياسات وقرارات الدولة والمجتمع؟
من خلال تجربتي الشخصية، دخلتُ المجال الأكاديمي في جامعة أمستردام بصفتي استثناءً، لا نتيجة سياسة واضحة. وعندما انتهى المشروع، انتهى الموقع. المشكلة لم تكن في غياب الكفاءات، بل في غياب الاستمرارية والعدالة المؤسسية.
مجتمع أقليات أم مجتمع هشاشة؟
عنوان الكتاب يوحي بالمساواة بين الجميع. لكن من دون فرص متكافئة، يصبح “مجتمع الأقليات” مجتمعاً يعيش فيه كثيرون في وضع ضعيف هش.
لقد تكيفت الأقليات في هولندا منذ عقود. تعلموا اللغة. التزموا بالقوانين. شاركوا في المجتمع. لكن ذلك لم يؤدِ دائماً إلى معاملة متساوية. وهنا يكمن الخطر: أن نعتبر اللامساواة أمراً طبيعياً، لا مشكلة يجب حلّها.
هل يكفي التواصل؟
يركّز الكتاب على أهمية التواصل اليومي بين الناس في الأحياء والمدارس والنوادي. وهذا أمر إيجابي. لكن التجربة تُظهر أن التواصل وحده لا يكفي. فحين لا تكون هناك عدالة، يتحول القرب إلى توتر وإستقطاب لا إلى تفاهم.
كلمة أخيرة
كان يمكن لهذا الكتاب أن يفتح نقاشاً صريحاً حول المساواة والفرص والسلطة. لكنه اختار التركيز على الأرقام والتعايش الاجتماعي، من دون مواجهة جذور المشكلة.
التنوع واقع لا يمكن إنكاره.
لكن من دون مساواة حقيقية، يبقى مجرد صورة جميلة من الخارج.
ومن يقول ذلك، لا يخاف من التغيير،
بل يطالب بأن يكون التغيير عادلاً.
د. عاطف حمدي