أخبار عاجلة
الرئيسية / الجاليات / عيد الميلاد – القصة التي بدأت قبل الزمن … د.عاطف حمدي

عيد الميلاد – القصة التي بدأت قبل الزمن … د.عاطف حمدي

 

 

 

عيد ميلاد مرتين

 

في هولندا، لعيد الميلاد رائحة خاصة: رائحة شجرة الميلاد في البيوت، وفواكه الشتاء، وأضواء تنعكس على شوارع مبتلة، وأحاديث تهدأ وتتباطأ.

بالنسبة لكثيرين، يشكّل عيد الميلاد استراحة قصيرة، توقفًا ناعمًا في عالم لا يتوقف عن الهرولة والركض.

 

أما بالنسبة لي، فعيد الميلاد أكثر من ذلك.

أنا أحتفل به مرتين: مرة مع هولندا، ومع أوروبا والعالم، ومرة أخرى بعد أسابيع، وفق التقويم القبطي المسيحي القديم الذي ورثته عن أجدادي المصريين.

تقويم أقدم من الدول، أبطأ من الزمن الحديث، ولا يزال متمسكًا بشيء أصبح نادرًا في عالمنا المعاصر: الانتظار والتمعن.

 

وعد أقدم من بيت لحم

 

لماذا مرتين؟

لأن عيد الميلاد، بالنسبة لي، لا يدور حول تاريخ في التقويم، بل حول وعد.

كثيرون يظنون أن قصة يسوع المسيح تبدأ في مذود: طفل ملفوف بالقماط، وامرأة شابة، ونجّار مرهق.

لكن تلك لم تكن سوى اللحظة التي أصبحت فيها القصة مرئية.

 

القصة بدأت قبل ذلك بكثير. قبل التراتيل، وقبل الكنائس، وقبل التقاويم.

في سفر التكوين، أول أسفار الكتاب المقدس، نسمع همسًا مبكرًا: لا شرحًا، ولا عقيدة مكتملة، بل وعدًا.

إشارة غامضة إلى “نسل المرأة الذي يسحق رأس الحية”. تعبير غير مألوف بيولوجيًا، وثوري لاهوتيًا، وكأن النص نفسه كان يعلم أن هذه لن تكون ولادة عادية.

 

 

 

 

 

النبوءة كإتجاه لا كنص بلاغي

 

غالبًا ما تُعامَل النبوءات على أنها صور شعرية دينية، قابلة للتأويل الحر.

لكن من يقرأها بجدية يكتشف أنها لا يمكن تجاهلها أو تجاوزها.

 

قبل قرون طويلة من الميلاد، كتب النبي إشعياء عن عذراء ستحبل وتلد ابنًا يُدعى “عِمَّانوئيل”, أي “الله معنا”.

ليس فوقنا، ولا في مواجهتنا، بل بيننا.

 

لم تُكتب هذه الكلمات في زمن سلام، بل وسط خوف سياسي واضطرابات اجتماعية وعدم استقرار.

لم يكن الوعد بجيش، ولا بقوة، ولا بإستراتيجية، بل بطفل.

لم تكن رومانسية، بل بوصلة.

 

من المذود إلى الصليب

 

بيت لحم لم تكن عاصمة، ولا مركزًا للقوة، بل قرية هامشية على أطراف التاريخ

ومع ذلك، كتب الأنبياء: هناك سيحدث الأمر.

 

بعد قرون، أجبر إمبراطور روماني — من دون أن يدري — نجّارًا وإمرأة حبلى على السفر إلى بيت لحم. كانت السلطة تظن أنها تقود، لكن التاريخ ابتسم بصمت..

 

ومن أراد أن يفهم عيد الميلاد، فعليه أن ينظر أبعد من المذود في قرية بيت لحم.

فالكتب نفسها التي تتحدث عن طفل، تتحدث أيضًا عن رجل مرفوض، مُهان، ومتروك على خشبة.

يصف إشعياء شخصًا يتألم من أجل الآخرين، ويصمت حيث كان يمكنه أن يصرخ

ويتحدث المزمور الثاني والعشرون المكتوب قبل ظهور عقوبة الصلب بقرون, عن يدين وقدمين يثقبان بالمسامير، شيء لم يعرفه أهل ذلك العصر.

لذلك، لا يمكن فهم عيد الميلاد دون الصليب. .

 

انتظار النور

 

هذا المقال لا يسعى إلى الدعوة إلى اعتناق الإيمان المسيحي، بل يهدف إلى الفهم.

عيد الميلاد يحمل رسالة إنسانية عامة: أن التواضع ليس ضعفًا، وأن القوة ليست الكلمة الأخيرة، وأن التاريخ ليس عشوائيًا.

 

بالنسبة للمسيحيين، ولادة يسوع المسيح هي تحقيق لوعود قديمة.

وبالنسبة لغيرهم، هو بمثابة مرجع أخلاقي، وصوت يوقظ الضمير عبر الزمن.

 

وحين أحتفل بعيد الميلاد للمرة الثانية، وفق التقليد القبطي، يسود الصمت.

لا استعجال، ولا مظاهر زائدة — فقط تأني وانتظار تمعن.

 

ليس التقويم ما يجمعنا، بل القصة.

وربما هذا ما يطلبه عيد الميلاد حقًا:

لا إيمانًا بلا أسئلة، ولكن شجاعة التوقف والتمعن.

 

لأن الأمل يولد حيث يواصل الإنسان الانتظار،

بينما الليل لا يزال عميقًا,

والنور يلوح في الأفق، لكنه لم يكتمل بعد.

 

د.عاطف حمدي

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *