الرئيسية / مقالات / وداع أنجيلا ميركل.. صورة للقيادة، صورة لوطن

وداع أنجيلا ميركل.. صورة للقيادة، صورة لوطن

بقلم: ضرغام الدباغ

 

تابعت من على شاشة التلفاز، جلسة الحزب الديمقراطي المسيحي (CDU) (أواسط كانون الثاني / 2021) الجلسة الختامية لمؤتمر الحزب وفيه حضرت المستشارة ميركل للمرة الأخيرة كرئيسة الحزب، فالمؤتمر شهد توديع تاريخي مثير لهذه السيدة الرائعة … من يشاهد هذا التوديع ستقتحم ذاكرته وثقافته السياسية مادة مبهرة ومؤثرة …!

في المرات التي شاركت فيها بإدلاء صوتي في الانتخابات الألمانية، لم أدلي بصوتي ولا مرة للمستشارة ميركل أو لحزبها، ولكني اليوم، أدرك أن هذه السيدة تمثل قيماً ومعان كبيرة، ولو أتيح لي التصويت لها لفعلت ..! هكذا بلا محاولة إقناع من جهة أو شخص … الأمور هي توضح نفسها بنفسها …

وفي وداع رئيسة الحزب، مؤتمر الحزب المؤلف من مئات المندوبين، وكلهم شخصيات كبيرة سياسية وعلمية / أكاديمية يقفون جميعاً إجلالاً لمدة عشرة دقائق يصفقون لها .. بدون هتافات وزعيق، فقط البعض حمل ورقة كتب عليها بخط اليد ” شكراً لك ميركل “، أي كلمة أخرى تقال ستكون بلا معنى، مهما كانت ستكون صغيرة ملونة مزركشة بألوان التزلف والتملق .. أو الهمهمة خوفا أو رعباً … لم يكن هناك زعيق : ماكو زعيم إلا كريم، وبالروح بالدم، ولا حزبي العظيمي ..لا شيئ من هذا … هذه السيدة حازت على احترام الناس أجمعين لمدة 18 سنة كرئيسة للحزب، و21 سنة كأمين عام، 16 عاماً مستشارة (رئيسة للوزراء) نحو عشرة سنوات وزيرة ….. لا يستطيع أحد أن يجد ثغرة في هذه الشخصية التاريخية لا في سلوكها السياسي، ولا الحكومي، ولا حتى الشخصي. ولم يهان مجرد إهانة … شخص واحد من أجلها … وآخرين يسحقون الملايين دون أن ترف لهم جفن … ويلعب بمنخاره أمام العدسات ويقول ” ما ننطيها ….

شخصياً كنت غاضباً  مرة أو مرتين خلال حكمها، ولكن درجة احترامها لم تتراجع أبداً قيد أنملة، هي تحكم بلداً بحجم ألمانيا وهي ليست هنا من أجل أن ترضيني أو ترضي شخصاً بعينه …هي تنظر لكل خارطة ألمانيا … ولا تنظر لمزاج شخص، وهذا ما يفوت الغاضبين … وبهذه المناسبة أليس في شرعنا الإسلامي استبعاد الغضوب والفاجر من الحكم والإدارة ..؟

ميركل ….العالمة الحقيقية،  الدكتورة (في علم الفيزياء) أنجيلا ميركل، الأستاذة الجامعية  الوزيرة السياسية التي أختارها العبقري هيلموت كول لخلافته، واصلت السكن في شقة بسيطة بالقرب من الجامعة، يقف شرطي واحد على بعد 10 أمتار من مدخل بنايتها القديمة الطراز، هذه السيدة حكمت ألمانيا 16 عشر عاما كمستشارة (رئيسة وزراء)، 18 عاما كرئيس للحزب، 21 عاماً كأمين عام للحزب، ولم يقترب من هذا سوى المستشار الكبير أبو الوحدة الألمانية أوتو فون بسمارك،(1871 / 1890)، أما هتلر الذي بلغ منصب المستشارية بالانتخابات عام 1933، وواصل حكم ألمانيا كديكتاتور (لم يحكم ألمانيا كمستشار ولا كرئيس جمهورية، بل بلقب الزعيم) من (1933 / 1945). أما ميركل  التي ولدت عام 1954، وأصبحت للمرة الأولى كوزيرة لشؤون المرأة عام 1991 ، ثم وزيرة لشؤون البيئة، ثم كمستشارة منذ عام 2005. وستكمل ولايتها كمستشارة حتى الانتخابات هذا العام، ويرجح أن تتقاعد بعدها نهائياً، إلا أنها ستخلد بأنها فازت في الانتخابات لأربع مرات متتالية كمستشارة .

الشعب الألماني بأسره يتفق أن ميركل عبرت بهم مصاعب كثيرة، أهمها : الأزمة الاقتصادية التي عصفت بأقوى الاقتصاديات الأوربية (هولندة، فرنسا، النمسا، إيطاليا) ولعب الاقتصاد الألماني دور القاطرة التي تسحب قاطرة الاقتصاد الأوربي، واجتازت عقبات هزت الاتحاد الأوربي، وأزمات المصارف والإفلاسات، وأزمة الهجرة وجائحة كورونا ..  حقا إنها لسيدة ملهمة … ! في أتعس الظروف كانت تطل على الألمان وقالت كلمتها المشهورة ” سننجح ” (Wie schaffen das)…!

الرابط أدناه الجلسة التاريخية لمؤتمر الحزب (CDU) المؤتمرون يقفون بالمئات دون استثناء يقفون ويصفقون لها والدموع تسيل من عيون الكثيرين منهم … يرفضون الجلوس حتى تطلب هي بنفسها وبرجاء .. ” أشكركم … لدينا الكثير مما يجب فعله …! “.

هكذا تقتحم الشخصيات العظيمة التاريخ …..!

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *