الرئيسية / مقالات / على من تقرأ مزاميرك يا داود ؟ بقلم الدكتور ضرغام الدباغ

على من تقرأ مزاميرك يا داود ؟ بقلم الدكتور ضرغام الدباغ

 

هذا المثل العميق يقال لمن ينصح أناسا وهم لا يعيرونه اهتمامهم ولا يفهمونما يقول من معاني الحكم والنصائح المقدمة لهم، ولا يستفيدون من الكلام والنصح الموجه لهم، وربنا يسخرون منه. ومن الأمثال القريبة أيضاً : ” أنت تنفخ في قربة مخرومة “.  وكذلك قولة الشاعر الكبير المتنبي المشهورة : ” لقد أسمعت لو ناديت حيّا ….  ولكن لا حياة لمن تنادي”  .

 

في أوائل الستينات في مطلع شباب، نصحني قريب لي أن أقرأ كتاب الفيلسوف الفرنسي البير كامو ” الإنسان المتمرد ” ولا أنكر أن الكتاب كان عميقا جداً، ولكني بذلت جهدي أن لأقرأه بدقة وأن أستوعبه (قدر الإمكان)، وما زلت أذكر مقوله هامة لكامو ” هناك محاكمات تجري بدافع الهوى، وأخرى استناداً لمعطيات عقلية “. وقد أثرت هذه المقولة، ولكنها لم تقنعني بما يكفي لأن أكف عن أحكام الهوى، إلا في بداية السبعينات، ولكن في عام 1973 انتهى عهدي مع أحكام الهوى نهائياً لأني اكتشفت بشكل قاطع، أن بداية خسارة المباراة هي حين تستند لأحكام الهوى والعاطفة. وتبين لي بكل وضوح أن الموقف السليم هو الخالي من الأحكام العاطفية، بما في ذلك في حياتك الشخصية، أما في الحياة السياسية فالاستناد إلى العاطفة ستقود إلى كارثة لا محالة … نعم بهذه الدرجة من الحسم …!

 

ثم أني في دراساتي اللاحقة قرأت مقولة هي موجودة في لغات وثقافات عديدة، أن أحكام الهوى كارثة، ومن تلك ” إذا أشتبه عليك أمران، فأنظر إلى أقربهما إلى هواك فأجتنبه “ . وفي السياسة لا تفكر برأس ساخن، لا تصدر قرارا في حالة الغضب. ومنذ زمن بعيد جداً وأنا لا أحب ولا أكره جهة أو فردا في السياسة، فالحب والكراهية هي البوابة الواسعة للقرارات الخاطئة.

 

هل يمكن أن يدب خلاف بين أطراف متحالفة …؟

نعم وهذه ممكنة حتى في أشد التحالفات متانة، وأقوى تحالف سياسي كما أصنفه، هو التحالف الاستراتيجي بين الولايات المتحدة وبريطانيا، ورغم ذلك، لم يقوض النفوذ البريطاني في العالم سوى الولايات المتحدة، الخلاف يمكن أن يقع في :

  • ملفات أمور ليست لها الأولوية.
  • الخلاف ينحصر في ذلك الملف المختلف عليه، فيما يتواصل التنسيق في الملفات المتفق عليها.

 

عام 1988 شاهدت بعيني وسمعت بأذني، ما يكفي لأن أعلم، أن إيران ستفعل كل شيئ (أكرر كل شيئ) للتخلص من ثقل الهزيمة في الحرب مع العراق، هزيمة هي سعت بنفسها لها، حين رفضت وساطات مشرفة كثيرة، كان يمكن أن تخرج منها مرفوعة الجبين، ولكنها رسمت لوحة هزيمة لا ينساها التاريخ حتى بعد ألاف السنين. والتحالف مع الولايات المتحدة وإسرائيل لم يكن شيئاً نادراً، فهم سهلوا للملالي الوصول للسلطة عام 1979، وزودهم بالأسلحة سراً وعلناً، وإسرائيل كانت تمون إيران بالأسلحة، فأين الغريب العجيب ..؟ أنا أجزم أن هناك غرفة عمليات مشتركة بين أميركا وإيران وإسرائيل في العراق ربما أن المتحالفين يختلفون في هذه الفقرة أو تلك، ولكنه خلاف كعاصفة في فنجان لا يفسد في الغرام قضية …. وليسامح الله من لا يقبل أن يصدق هذه الحقيقة الصارخة …!

 

عام 2003 وبعدها كتبت مراراً وتكراراً أن هناك تحالف مكتوب وممهور بين الولايات المتحدة وأميركا وإسرائيل، هاتفني بعض أصدقائي ورفاق، وبعضهم قال لي : لا يا دكتور ..إسرائيل وإيران معاً ..لا ..هذه مبالغة “، وبعضهم قال لي ” دعنا لا نبالغ ..! ” وآخرون كتبوا لي بهذا المعنى، ولم يوافقني على ما كتبت من رأي سوى القليل من القراء. ولكن بمرور السنوات، بدأ الدور التحالفي الوثيق جداً يتضح حتى لضعاف البصر، والبصيرة، فالأمر لم يعد بحاجة لذكاء ودهاء، واليوم أصبح هذا الأمر جلياً علنياً… حتى لمن له عين واحدة، أو لمن مصاب بالحول ..

أدناه مقابلة للرئيس بوش الصغير مع صحيفة أمريكية … لمن بقيت غشاوة في العين ..!

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في حديث مع جورج بوش  لصحيفة الواشنطن بوست في  14 / 8 /2016:

 

س. لما سلمتم العراق لإيران الفارسية بعد احتلاله مع أنه عربي مما ادى الى هذه الفوضى والمآسي التي لن تنتهي إلا مع خروج إيران منه ومن سوريا ؟

بوش: إيران قبلت التعاون مع أمريكا وإسرائيل في شأن العراق بينما العرب رفضوا ذلك.

 

س. ولكن إيران على خلاف مع إسرائيل ؟

بوش :لا..ليست على خلاف إلا بشأن المفاعلات النووية لصناعة القنبلة الذرية كما أننا كأمريكيين على خلاف معها ايضاً في هذا الشأن رغم تعاونها معنا في كل الأمور  إذ أن الإتفاق المسبق معها كان بحضور إسرائيل قبل احتلال العراق لم يكن يتضمن صناعة القنبلة

 

س. ولكن وفق التصاريح الإيرانية هناك خلاف بين طهران وتل أبيب ؟

بوش : ربما خلاف على طريقة العمل، أو ربما للإستهلاك الداخلي لكل منهما . إذ أن العلاقة بين وإسرائيل وإيران امتن من أن يتصورها أحد .. بل ربما أمتن من العلاقة بين أمريكا وإسرائيل التي تعترض علينا في امور كثيرة…

 

 س. وما هي هذه العلاقة ؟

بوش : كثيرة ولكن سأعدد أهمها وهو التعاون بين الموساد وإيران على خلق مناخ ملائم للإرهاب في المنطقة… ومن ثم وهو الأهم حماية حدود إسرائيل ومستعمراتها من هجمات المقاومة الفلسطينية كما حماية الجولان المحتل من هجمات الجيش الحر وحماية الجولان هي التي سمحت لإيران، بعد الاستئذان، من إدخال قواتها ومليشياتها في لبنان و سوريا ولولا المليشيات الإيرانية في جنوب لبنان لكان وضع الأمن في شمال إسرائيل في فوضى ثم أن العلاقة الأهم بينهما هو أنها تلبي مصالح إسرائيل في عرقلة قيام دولة فلسطينية إلا وفق النظرة الإسرائيلية وليس وفق مطامح السلطة الفلسطينية…

 

س. ولكن ما حاجة إيران لهذه العلاقة مع إسرائيل ؟

بوش : إنها علاقة قديمة من خلال وسطاء إيرانيين مع إسرائيل ولولا هذه العلاقة لا أعتقد أن النظام الإيراني في هذا الجو العدائي الذي يثيره في محيطه كان قادراً على الإستمرار لولا الدعم الإسرائيلي له في الدوائر الغربية …

 

س. سؤال أخير : لما أدخلتم إيران إلى سوريا رغم سلبيات ذلك في العراق ؟

بوش : لسنا الذين أدخلناها  بل إسرائيل فعلت ذلك بتفاهم مع الروس لتدمير قدرات الجيش السوري وتفتيته ولنزع السلاح الكيماوي الذي كان يقلق إسرائيل إذ ان الجيش السوري عربي النزعة لا يؤمن له ولولا إيران لما استطاعت إسرائيل نزع السلاح الكيماوي الأخطر في المنطقة على سلامة إسرائيل فيما لو أطيح بالنظام الحالي

انهي واقول لكِ إن وجود النظام الإيراني ساعد كثيراً لحفظ أمن إسرائيل بضرب الإرهاب الفلسطيني والعربي المحيط بها ولربما كان وجودها في خطر ايضاً لولا إيران …

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *