الرئيسية / عاجل / صدام الذي زرته صلاح المختار

صدام الذي زرته صلاح المختار

في العام الماضي (2020) زرتني،القيت فوقي سحب اكوان لها بداية لكنها مفتوحة النهاية، ابحرت معك في سحر ابتسامتك ونمت قرير العين منعما بنعومة جرس كلماتك، ثم عرضت علي مشاهد عالمك المزدحم بمن سبقك من افذاذ امتنا منذ نبوخذنصر، واليوم انا زرتك ، بعد ان انتظرتك ، وبقيت اشخص بناظري صوب كل نور اراه يحط فوق مداخل وعي المبكر منذ عرفتك، انتظرتك، وانتظرت اطلالة وجه ما رأيته الا وكان منذورا لشعبه، لم تأتي رغم ان الشوق اختطفني والقاني في حضرتك، ومع ذلك وايضا لم اجدك ، بحثت عنك في مجرات قصية،انتقلت بلمح البرق ممتطيا صهوة الاصهب جوادك ، لعله يعرف اين ترقد هانئا بقربك ممن حلمت به كل لحظات حياتك، تنمرت النجوم الهاميات شوقا لطلعتك، جذبتني ثقوب سود وانا احلق بحثا عن قسماتك، استطال جسمي وصار صفرا ، ورغم ذلك بقيت مشدودا لشوقي اليك ، وكانت حروف اسمك تتلاحق وانا اذوب في ممر الثقب ثم تختفي وتجرني ذكريات تنبثق من لهفتي لك، تلقيني اكوان الثقب الاسود في منطقة شفق لم ارى مثيلا لها ولم اتخيلها في ابعد قدراتي العقلية على التخيل ! لم اعرف ما انا فيه ولا مع من ادور ولا كيف وصلت ولا كيف ساخرج !
ورغم كل ذلك القلق الساحق بقيت مشتاقا اليك، اتحمل الام ضغط كوني لاتطاق واتخيلها ولادة جديدة لي من رحم عجيب كل ما فيه رنين يعقبة سكون وسكون يلحقه نور! يختطفني من الثقب الاسود ويلقيني في نهر صخبه دام بالوان ساحرة يجردني من كل الم، وينبت في مشاعر ذوبان في ذات اعظم منا ، وكانت يد لا اعرف لمن تقودني من ممر نور الى منعرج اهتزاز ثم تلقي بي برفق في اللامكان وفوق الزمان ،فهبطت في مكان لكنه ليس مكانا! كانت تنبعث منه اشراقة بهيجة لايشبه نورها كل نور عرفته في ارضنا، وعندها سمعت صوتك ياصدام اتيا من بعيد يرتل( حيا الله الرفيق ابو اوس الامين الصادق الوفي) بحثت عنك فلم ارى ملامحك،وكان وجدي طاغيا يخنق عباراتي فاستسلمت لهنيهة صمت وانا ابحث عنك ، وفجاة وجدتك بأزائي بقامتك البهية وهي اكثر اشراقا مما كانت عليه قبل رحيلك، وكانت عيناك عالم مجرات تتطاحن وتتداخل فيهما ومع ذلك كنت هادئا باسما تحرق ابتسامتك كل رهبة وخوف من عالم غريب لايمكن تصوره ولا رؤيته حتى في احلام غريبة! رأيتك ويدك ممدودة لي مرحبا، احتضنتني بوقارك فعدت فتيا فورا ، تلاشت قسمات الشيخوخة من وجهي وتبددت زوائد الجسد ولم تبقى الا مشاعر وعي كوني ساحر بلذائذه، لم انجح في فتح فمي ولا في رسم ابتسامة لك ، فقد اسرني حضن وقارك ، وطرقت برفق باب ذاكرتي وانت تقول: (كيف حال الرفاق يا ابو اوس؟)، بقيت صامتا ، تجردت من الصوت وذابت الكلمات فانا في حضرة كون غريب وعالم لايمكن وصفه ولا تصوره، فيه كان صدام هو الشيء الوحيد الذي عرفته وفهمته .
اجلسني صدام قبالته وكانت بسمته هي نفسها حيث ينحرف الجزء الايمن من شفتيه قليلا وهو يبتسم ، وفجأة عادت الكلمات ،ارتعدت حبا لصدام ، وتسابقت الكلمات ، وتعاركت الافكار وانا انفرد بزيارة صدام ، قلت له :(كيف حالك ابو عدي؟) نظر بعيدا وغابت ابتسامته وبقي صامتا للحظات وادار رأسه نحوي مجددا وهمس بنفس نبراته الدنيوية:(انا بخير والحمد لله ، كنت احلم بما انا فيه ، وقبل ان ارحل بلحظة رأيته امامي ، رأيت نور الله يغمرني وحبل المشنقة يطوق عنقي وتسلل صوت لم اسمع بمثله وهو يهمس في راسي :اهلا بصدام، لقد وصلت الى بواباتنا فمرحبا بك، وكانت ابتسامتي التي ودعت فيها عالمكم هي الرد على همس من رحب بي وانا اغادر، وكانت تلك بوابة دخولي الفوري عالمي الذي تراه الان. فانا الان في افياء سدرة المنتهى مع من تعرفهم في تاريخنا ).
في تلك اللحظة تجمد كل شيء عندما هطلت فوقنا غيوم تختلط الوانها وتتضارب اشكالها، واحاطت برؤوسنا واخذت تمتص تعبي وتضخ في طاقة عجيبة لاتوصف لكن لذتها طاغية، سالت صدام : (ما هذا الشيء؟ ) رد وهو يبتسم:(انه عالمنا في كل لحظاته الخالية من حدود الزمن نزيل ارثنا الارضني بما تراه الان ، نستعد تدريجيا للقاء الله ولكن بعد ان نكمل شرط النقاء) ، سألته : (اذا لم ترى الله بعد ؟) لم يجبني بكلمات وانما اشار بيده نحو الشمال وقال : (الله هنا معنا في كل مكان هو كل شيء وفي اي شيء لكننا كي نراه نخضع لعملية اعداد لنا).وقبل ان يكمل قال لي صدام فجاة :(يجب ان اغادر الان سلم على الرفاق وقل لهم ابو عدي يحييكم على وفاءكم بالقسم حافظوا على ماتركته لكم ولا تفرطوا به لان الله يرعاكم ويحرسكم ويصوب طريقكم، سلم على الرفاق كل الرفاق).
اختفى صدام فجأة كما ظهر ، سحبني الثقب الاسود مرة ثانية ولكن بالاتجاه المعاكس، والقيت فورا في مكان كنت فيه قبل زيارتي لصدام،اختنقت، ماتت فرحتي ، انتابتني دورة غيبوبة، لم افارق صدام مرة اخرى؟ وكيف زرته ووصلت اليه وانا لم انم بعد؟ انه ليس حلما ابدا ،هو زيارة حقيقية ربما تمت عقليا وتلاقت روحينا انا وصدام في عالمه العجيب والذي لايوصف بكلمات ، ولكن ما اعاد لي هدوئي هو انني انفردت بزيارة صدام، هذا العام، بعد ان زارني في ذاك العام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *