الرئيسية / مقالات / حسناء.. أم أحمد

حسناء.. أم أحمد

بقلم ايمان وهمان

حسناء فتاه من حى الظاهر بالقاهره نشأت فى اسره كبيرة العدد كان حظها من التعليم دبلوم تجاره وبمجرد ما اتمت ثمانية عشر عام تزوجت من شاب يطلقون عليه بلغة تلك الايام كسيب فهو يعمل فى كار المعمار ودخله يكفى لفتح بيت علاوه على انه شاب مهذب ويشهد له الجميع بالطيبه وحسن الخلق .. منَّ الله عليهم بطفل سموه أحمد وكانت تحب ان يناديها دائما بإسم أم أحمد ..

ولأن الطيبون يرحلون مبكرا توفى زوجها فجأه وبدون اى مقدمات فقد جاء الاجل وكان أحمد لم يتم عامه الثانى بعد .. لم يكن لها اى دخل تستند عليه بعد وفاة زوجها واهلها غير قادرين على مساعدتها فلم يكن امامها غير البحث عن عمل حتى تربى ابنها ولكن اى عمل هذا وهى لاتمتهن اى مهنه وتعليمها لايؤهلها لأى وظيفه تستطيع ان تعتمد عليها ولم تجد امامها غير العمل فى خدمة البيوت .. واستمرت على هذا الحال فتره طويله كبر أحمد واصبح فى المرحله الثانويه وفى تلك الاثناء عملت عند اسره سيده تعمل معيده فى الجامعه وكانت بنت ناس مهذبه فأحبت أم احمد واحسنت معاشرتها وبالتالى تفانت أم احمد فى خدمتها وعاملتها كأنها ابنتها وكانت تتكفل برعاية طفليها والاهتمام بكل شؤن المنزل نجح أحمد فى الثانويه العامه والتحق بكلية التجاره وكان يمنى امه بانه سينتهى من دراسته الجامعيه ويتكفل هو برعايتها كما تفانت هى فى تربيته ..
فى احد الأيام عادت المدام من عملها فرحه تبشر أم احمد بأنها حصلت على بعثة دراسيه لمدة اربع سنوات وسوف تسافر الاسره كلها الى امريكا وهى معهم لانها لن تستطيع تدبر امر الاطفال والدراسه لوحدها وعليها ان تستعد للسفر لم تتحمس أم أحمد للفكره كيف تترك أحمد بمفره لن تستطيع البعد عنه فهو قرة عينها .. عادت الي البيت واخبرت ابنها بما دار بينها وبين المدام وكانت تخشى علي زعله لكن حدث ما لم تكن تتوقعه فرح أحمد فرحا كبيرا واخطرها انه على علاقه بزميله له فى الجامعه ويتمنى ان يتزوجها وتلك السفريه ستساعده على شراء شقه وتأسيسها علاوه على انها ستشترى له كل مايحلم به واولهم لاب توب .. كان هذا هو سقف احلامه وهذا هو رد فعل ابنها الذي لايشغل باله بغير مايحتاجه هو فقط فلم تجد امامها بد من السفر مع المدام والعائله خاصه انها ستحصل على مرتب محترم … سافرت الاسره واستقروا فى نيويورك كانت المدام التي تعمل ان احمد عندها حريصه على أن تصطحب أم احمد معها فى العطله الاسبوعيه للتسوق سواء من السوبر ماركت الكبير او من احدى المولات المنتشره فى تلك المدينه الكبيرة.. ارسل احمد لامه انه وجد شقه مناسبه وعليها ان تحول له قسط الشقه كل ثلاثة اشهر بالاضافة طبعا على طلباته التى لا تنتهى وكانت ترسل له بعض الاشياء مع اى صديق او جار فى طريقه الى مصر مر عامان والحياه تسير على هذا المنوال احبت ام احمد نيويورك بضوضائها وانوارها المبهجه وخاصه فى اعياد الكريسماس.. كذلك كانت تلهو مع الاطفال فى الثلج وشعرت بأنها طفله مثلهم وان الله عوضها عن الطفوله الصعبه التى عاشتها .. ولأن دوام الحال من المحال .. وأثناء عوة المدام الى البيت تعرضت لحادث سياره ولفظت انفاسها قبل ان تصل الى المستشفى طبعا كارثه بكل المقايس انهارت أم أحمد فقد كانت المدام بمثابة الابنه الحنينه لها.
وبعد ان انتهت مراسم الدفن والجنازة قال الدكتور زوج المدام ان عليهم ان يستعدوا للعوده الى مصر فقد انتهت اقامتهم بوفاة الام .. اتصلت ام احمد بابنها تخبره بكل ما حدث وانها ستعود الى مصر قريبا .. لم يسعد هذا الخبر ابنها بل بدأ يذكرها باقساط الشقه ومصاريف الزواج وارتباطه مع اهل زميلته فى تحديد ميعاد الزواج !!! وطلب منها ان تبقى هى فى امريكا وتبحث عن عمل حتى يتمكن من اتمام زواجه وهذا هو اليوم الذى تحلم به كل أم .. اخطرت أم احمد الدكتور بقرارها البقاء فى امريكا وشرحت له الظروف لكنه لم يقتنع وأخذ يذكرها بأنها لن تجد عمل بسهوله كذلك لاتجيد اللغه بالأضافه الى الاقامه القانونيه كل تلك مشاكل كيف لها ان تواجهها .. لكنها كانت تريد ان ترضى ابنها الذى هو كل دنيتها .. و هكذا غادر الدكتور امريكا وترك أم احمد تبحث عن عمل وسكن .
لم يكن الامر هين عليها كانت قد تعرفت على بعض السيدات المصريات والعرب واشاروا عليها بالبحث عن عمل فى المطاعم العربية فى المنطقه وبالفعل بدأت رحلة البحث عن عمل لكنها لم توفق لكبر سنها وعدم درايتها باللغه واخيرا طلب منها صاحب مطعم ان تأتى يوم او يومان فى الاسبوع لعمل بعض الاكلات المصريه الصعبه كالمحاشى والفطير المشلتت وماشابه .. وبالفعل بدأت بالعمل فى هذا المجال وكانت طباخه ماهره فذاع صيتها واستعان بها اكثر من مطعم وبذلك حلت مشكلة العمل وبقيت مشكلة السكن.
كانت ام احمد تسكن مع سيده مصريه ولكنها لم تكن تشعر بالراحه معاها فهى دائمة الشجار معها اذا عادت للبيت فى وقت متأخر بسبب ظروف عملها وفى احد الايام عرض عليها رجل مصرى كان يتردد على احدى المطاعم التى تعمل بها عرض عليها الزواج وسوف يتكفل بكل ماتحتاجه علاوه على ان لديه شقه ايجار معقوله وكذلك سيساعدها فى عمل اقامة قانونيه لها والحصول على الجرين كارد وبذلك تتمكن من زيارة ابنها فى اى وقت .. فرحت ام احمد بالعرض وتزوجت الرجل الذى كان يبحث عن خادمه مجانا … لم يوفى بوعده لها فى عمل الاوراق الخاصه بالجرين كارد لها وظل يماطلها بالاضافه الى طلباته التى لاتنتهى واستمرت فى عملها من اجل سداد احتياجات ابنها وبعد فترة بدأ يطلب منها ان تدفع معه الايجار وتشاركه المصروفات ولكنها رفضت بشده حيث ان دخلها يكفى بالكاد سداد احتياجات وحيدها .. مرت الشهور وفجأة شعر الزوج بالم فى الحنجره وكان يزداد يوميا بعد يوم فذهب الى المستشفى واكتشف انه اصيب بالمرض اللعين .. بدات رحله المرض وذادت اعباء ام أحمد مابين رعاية زوجها والعمل لتوفير مطالب ابنها الى ان جاء يوم عادت من عملها ليلا فلم تجد زوجها بالبيت ظنت انه تعب وذهب الى المستشفى انتظرت عودته ولكنه لم يعد بدأت تبحث عنه فى المستشفيات التى يتردد عليها فلم تجده توجهت الى المقهى التى يجلس عليها مع اصحابه فاخبرها صاحبه انه نزل مصر يموت فى وسط اهله !! هكذا دون كلمة وداع ولا شكرا على تعبك معايا ولاطلقها ولا اى شىء كأنها لم تكن بحياته .. حزنت ام احمد حزنا شديدا من قلة اصل زوجها وهى الان فى ورطه من اين لها ستدفع ايجار الشقه ؟؟ صارحت صاحب المطعم التى تعمل به فأشار عليها ان تستخرج تصريح عمل على عربيات الحلال فوود وهذا التصريح ممكن استخراجه بجواز السفر وهذا العمل يضمن لها دخل يومى فى حدود مائة دولار وعليها ان تبحث عن سيده تشاركها السكن وتقتسم معها الايجار .. وبالفعل استخرجت التصريح اللازم فى خلال اسبوعين ووجدت عن طريق المسجد بنت مصريه تبحث عن سكن فشاركتها السكن .
اخيرا شعرت ببعض الاستقرار وكانت تشارك ابنها بكل مامر بها وهو لم يكن يشغل باله غير اقساط الشقه والاستعدادات للزواج .. مر عامان كاملان وام احمد تعمل بغير كلل وتحلم باليوم الذى تعود فيه الى مصر وتفرح بزواج ابنها كانت انتهت من سدد اقساط الشقه بالكامل وادخرت بعض النقود لزوم الفرح وشراء مايلزم ابنها فى تلك الاثناء انتهى احمد من دراسته الجامعيه
غير ان والد خطيبته ساعده فى ايجاد عمل فى شركة اسمنت وكان مرتبه بالحوافز لابأس به واصبح كل شىء معد للزواج فى انتظار عودة الام وبالفعل اتفق مع امه على ان تستعد للنزول فاشارت عليه الانتظار حتى اخر سبتمبر لتعطى فرصه للبنت التى تسكن معها فى البحث عن اخرى تشاركها السكن كذلك ستتفرغ هى لشراء ماتحتاجه من امريكا لها ولابنها وكذلك ستشترى له بدلة الفرح وفستان العروسه وكل ما يلزمه .. فعلا بدأت الاستعداد للنزول بشراء كل مايلزم فرح ابنها واجتمعت فى عطلة نهاية الاسبوع مع بعض من صديقاتها فى حفلة وداع صغيره كذلك احضرت بعضهن هدايا لابنها بمناسبة زواجه فقد كانت ام احمد سيده محبوبه من الجميع واخبرتهم ان هذا الاسبوع هو اخر اسبوع لها فى العمل حتى تتفرغ لشراء مايلزمها وابنها .. وكالعاده كانت تعمل من السابعه صباحا حتى السابعه مساء على عربة الحلال فود فى منهاتن وفى يوم الثلاثاء ١١ سبتمبر توجهة الى عملها كالعاده فى السابعه صباحا وبدات فى تجهيز طلبات زبائنها فهى تكاد تعرف كل موظف يعمل حولها وفى الساعه التاسعه الا ربع حدث مالم يكن يتوقعه احد.
طيارتان اصطدمتا بالمركز التجارى الدولى التى تقف بالقرب منه وحدث انفجار مدوى و تدافع الناس وغطى المكان دخان كثيف وسحب من التراب والضباب والدخان الاسود اختفى كل شىء فى لمح البصر لم يعد احد يري الا اشلاء وجثث والسنة النيران مشتعله فى كل مكان وسيارات الاطفاء وعربات البوليس وصفارات انذار ..كان حادث مروع 11 سبتمبر عام 2001 اُعلنت حالة الطوارئ فى امريكا وساد البلد حاله من الحزن والقلق والخوف من القادم .. فُقد أُناسٌ كُثُر حوالى ثلاث الاف شخص لقوا حتفهم من اكثر من ٩٠ جنسيه مختلفه .. لم يعثر لام احمد على اى اثر منذ ذلك التاريخ .. لم تعد الى مصر ولم تحضر عرس ابنها الذي عاشت من اجله بعد أنهت رسالتها معه بعد ان كافحت وربته وعلمته وزوجته لكنها اخيراً زُفت فى عرسٍ اخر زُفَّت الى السماء ليعوضها الله عن الشقاء والعناء الذي تكبدته فى الدنيا فنحن نحتسبها عند الله شهيدة ولعلها الان تنعم بالجنه مع الصديقين والشهداء وحسن اولئك رفيقا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *