الرئيسية / مقالات / الحلول الصعبة

الحلول الصعبة

بقلم: ضرغام الدباغ

 

يقال في علم السياسة، أن اتخاذ القرارات الصعبة، هي عملية تحتاج إلى عبقرية بالإضافة إلى الشجاعة. وإدراك للحظة التاريخية، قرارات يتخذها سياسيون محترفون، لا تخالط أفكارهم سوى التوصل إلى قرار يخدم القضية، يقلص من مستوى وحجم الخسائر، ويرفع من مستوى المكاسب، قرارات لا مجال للعواطف والأمزجة والاعتبارات الشخصية فيها، أو للمثل العاطفية الخيالية. قد يكون الظرف السياسي محتدم وصعب وساخن، ولكن على السياسيين أن يفكروا برأس بارد، وأن يدعوا الحماسة والهتافات، أو مشاعر الحزن والإحباط لغيرهم، للصحفيين أو لقادة التظاهرات الشعبية. لذلك ليس خطأ القول الحروب يصنعها المجانين، والسلام يتوصل إليه العباقرة ..!

السياسي القائد، المولج بأتخاذ القرار هو كالقائد العسكري في الميدان، في انفعاله، حماسة أو غضباً، سيقوده إلى ارتكاب أخطاء وربما حماقات. وفي ميادين القتال، تحل الهزيمة أولاً حين يفقد القائد العسكري رشده وينفعل ويصبح جزء من تفاصيل الحدث منفعلاً ومتفاعلاً، ويتخلى بذلك من مهمته الأساسية وهي صنع الحدث وتوجيه من هم تحت إمرته، والسياسيون يتخلون عن الأحكام العقلية والحسابات المادية للموقف، فالسياسي يعمل وكأن آلة حاسبة بين يديه (calculator) ولا يصغي إلا للتقديرات العلمية المنبثقة من معادلات مادية واقعية، ويبدأ الخطأ حين يصغي لصوت هواه وقلبه، أو حين يضع شخصه في الميزان ليرجح قرار ما … وهذا القرار سيكون حتماً ضعيفا .. وهنا تبدأ الخطوة الأولى في المسار الخاطئ.

قلنا أن السياسي المتمكن يتخذ قراراته بناء على معطيات مادية، وبناء على اقتدار يرتكز إلى خبرة وممارسة ولكن بالإضافة إلى العلم والتجربة … ثم على مجموعة متكاملة من المستشارين في شتى العلوم، ليشكل منهم فريق عمل، ويستحسن أن تمنح الأجهزة القريبة من حلقة القرار دوراً في عملية لتخاذ القرار، وتشير تجارب كثيرة، أن فقرات غير مركزية ولكنها هامة لم تؤخذ بالأهمية اللازمة بأعتبارها فقرات ليست مركزية، أي أنها في هامش الصورة، ولكن هذه الفقرة الصغيرة كانت حاسمة حين استحقت دورها، كحسابات الطاقة الكهربائية، وحسابات قدرات النقل في البلاد ووسائط النقل، والمستشفيات. الأمثلة كثيرة جداً على إهمال بسيط، قاد إلى نتيجة كارثية، أو لخسارة مبينة.
خلال خدمتي في سفارة الجمهورية العراقية ببرلين / ألمانيا الديمقراطية، كنا نلتقي مع مجاميع من الدبلوماسيين المعتمدين،

وليس نادرا ما كنا نتحدث عن وجود دولتين ألمانيتين كلاهما بدرجة من الأهمية في الفاعلية الاقتصادية والسياسية، فكيف ستحل قضية الوحدة الألمانية …؟ كنت اجيب خلافا لتوقعات العديد من الدبلوماسيين، وبرأي أن تغير الموقف بين الدولتين الألمانيتين سيكون إما كنتيجة لحالة من السلم العميم والرخاء الشديد، والميل لحل المشكلات الدولية بالحوار، وبواقعية ستحل قضية الوحدة الألمانية، أو حرب شعواء (وهذا احتمال بعيد)، لأن الحرب النووية ستقضي على اللاعبين، بل وحتى المتفرجين.
وفي زيارة الرئيس بريجنيف إلى بون 1979 جرى فيها تبادل وجهات النظر حول أشد القضايا تعقيداً، على الملأ وكان مسرح العلاقات الدولية قد بدأ يخطو صوب المصارحة والمكاشفة، ونهاية لعهد الدبلوماسية السرية، فكل المعطيات الرئيسية معروفة وتناقش يومياً في الصحافة، وأجهزة الإعلام التي تعاظم دورها، تدخل البيوت عبر وسائل عديدة، إذن فإبقاء القضايا الحساسة وراء الستائر السميكة، ليس بالقرار الصائب. لذلك تبادل الرئيس بريجنيف والمستشار شمت الأراء على طاولة العشاء في خطابات على مسمع ومرأى المدعوين من الضيوف السوفيت، والمضيفين الألمان، والبعثات الدبلوماسية، ورجال الصحافة والإعلام مبثوثة في شبكات التلفاز للمشاهدين.

كنت أتحدث مرة مع يروفسور في جامعتنا، وساقنا الحديث وتشعباته إلى الصراع بين الاشتراكية والرأسمالية وكان ذلك عام 1980 أو 1981، فقال غير مستبعداً، أن تخسر الأشتراكية الصراع في مجال سباق التسلح، وتسقط الاشتراكية، فدهشت تماماً من حديثه وهو المفكر الاشتراكي الماركسي، ولكنه هنا يتحدث بلغة علمية، أن سباق التسلح يلتهم معظم التراكم في الدخل القومي ويحرك البلاد من التطور، وهي مضطرة لأن تضع أفضل مواردها في التسلح، ومع ذلك فهي لا تستطيع مجاراة الولايات المتحدة، لذلك فإن تغير الوضع في البلدان الاشتراكية محتمل جداً. ولذلك كان قرار الاتحاد السوفيتي إنهاء الحرب الباردة، وتفكيك الاتحاد السوفيتي الذي كان يلتهم موارد الدولة، وأن تقف روسيا بقدراتها وهي كبيرة في مواجهة الغرب الرأسمالي. وهذا كان من القرارات الصعبة ولكن الضرورية.

وحيال نظرية ” لا حرب ” كمسلمة شبه بديهية، إذن فلنفتش عن حلول وسط، ولا ينبغي للعقل السياسي الكفء أن يعلن عن هزيمته، فكل الحلول ممكنة شريطة أن توصلنا إلى الصراع المسلح والحرب. لتبق كل الخيارات متاحة على طاولة المفاوضات، وتبرز الحاجة إلى قيادات قوية بوسعها أتخاذ قرارات صعبة حين يكاد يقفل أفق الحل السياسي، ولكن على العقل السياسي المحترف أن يجد الحلول. والدبلوماسية تبتدع السبل لتطبيق القرارات السياسية.
الدبلوماسي لا يصنع القرار، بل هو منفذ ممتاز لها، هو عازف رائع للنوتة أمامه، قد يشارك بالنصيحة لصناع القرار في عداد قنوات

صنع القرار السياسي، وعلى الدبلوماسي أن يميل إلى خلق ظروف وتصورات تحقيق المصالح الوطنية بالوسائل السلمية بواسطة التفاوض والتوصل إلى اتفاقات ممكنة التطبيق على أرض الواقع.

نلاحظ هنا أن العمل السياسي هو أبعد ما يكون عن المزاج والعشوائية، بل يقترب في طبيعته من عمل الطبيب الجراح في التشخيص، وإجراء ما يلزم لإنقاذ المريض … والحلول الصعبة هي مهمة الرجال الشجعان، مهمة من لا يهمه كثيراً التصفيق والهتاف، بل الحلول المنقذة للوطن… تراجع وأنت بكامل قواك المادية والمعنوية قبل ترغمك التطورات على اتخاذ القرارات المرة التي لها طعم السم …!

الدبلوماسي أكثر الأشخاص مؤهلاً لاتخاذ القرارات الصعبة، وتنفيذها بقلب ورأس بارد، فيخاطب الجهات التي ينبغي مخاطبتها برؤية واضحة، وكلمات دقيقة لا لبس والتباس فيها، الدبلوماسي لا كرامة شخصية له، وليس أمامه سوى مصالح البلاد فقط، وهي التي يجب أن يحافظ عليها بأن يجد أفضل الطرق والسبل … الدبلوماسي يجسد نظرية أن كل مشكلة وأي مشكلة يمكن لطاولة المفاوضات أن تجد لها الحلول … لذلك فالدبلوماسية التي هي على الضد من استخدام القوة … قوية جداً بأستخدام العقل والشخصية الراقية المدربة … وبذلك أستطاع الدبلوماسيون إيقاف جيوش وقذف القابل النووية في صناديق المهملات … وتوصلوا لحلول أنقذت البشرية …!

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *