أخبار عاجلة
الرئيسية / الجاليات / أسرى مثاليتهم – عن شجاعة رؤية السلام … د.عاطف حمدي إختصاصي علوم سياسية وباحث في العلاقات الدولية

أسرى مثاليتهم – عن شجاعة رؤية السلام … د.عاطف حمدي إختصاصي علوم سياسية وباحث في العلاقات الدولية

أمستردام 15 أكتوبر 2025

لم أكتب فجر السلام لأقف مع طرف ضد آخر،
بل لأحتفل بشيء نادرٍ في تاريخ منطقتنا العربية:
نهاية حرب.

ومع ذلك، أشعرني البعض وكأنني ارتكبت خيانة.
كأنّ فرحتي بصمت المدافع إهانةٌ لألم الآخرين.

لكن الغضب لم يأتِ من المتشائمين،
بل من المثاليين — أولئك الذين يظنون أن العدالة
لا تكون حقيقية إلا إذا تماشت مع صورتهم الأخلاقية الخاصة.

غير أن السلام لا يولد من المثالية.
إنه يولد متعبًا، مكسورًا، مليئًا بالتناقضات.
السلام يولد من رماد المبادئ المبالغ فيها.

 

عمى المثالية

 

في هولندا، حيث أعيش منذ خمسةٍ وثلاثين عامًا،
النقاء الأخلاقي فضيلة.
لكنه أحيانًا يتحول إلى عمى.
يتحدث الناس عن فلسطين كما لو كانت فيلمًا،
لا مكانًا يملأه الجوع والخوف واليأس.
يدافع بعضهم عن حماس باعتبارها “مقاومة”
من دون أن يروا حقيقتها:
سلطة دينية إستبدادية تأسر شعبها قبل عدوها.

قد تكون المثالية قاسية وخصوصًا حين تولد بعيدًا عن الدم والدموع.
المسافة بين أمستردام وغزة ليست جغرافية فقط,
بل أخلاقية أيضًا.
هنا يُعجب الناس بالكفاح والمقاومة،
وهناك يدفع الناس الثمن من إنسايتهم.

 

 

 

مأساة السابع من أكتوبر

 

كانت هجمات السابع من أكتوبر عام 2023
كارثة، لا عمل تحريري.
في ساعاتٍ قليلة، دمّرت حماس
ما بناه الفلسطينيون عبر أجيالٍ من المعاناة:
الأمل في اعترافٍ، في مستقبلٍ، وفي حياةٍ خارج دائرة الحرب.

قُتل عشرات الآلاف،
أكثر من أحد عشر ألف أسير فلسطيني في السجون الإسرائيلية اليوم،
فقط لأنّ حماس أرادت “تحرير” بضع مئات من أعضائها..
أُطلق سراح بعضهم،
لكن أمةً كاملة بقيت أسيرة اليأس.

تلك ليست مقاومة،
بل انتحار جماعي باسم الله.

 

مصر – حكمة التوازن والقيادة

 

حين كان العالم يصرخ، كانت مصر تصغي.
وحين تبادل الجميع الاتهامات،
جمعت القاهرة الأصدقاء والأعداء على طاولةٍ واحدة.
لم تكن الأيديولوجيا هي التي أنهت الحرب،
بل الدبلوماسية والعقل.

لم تتحرك مصر ضعفًا،
بل حكمةً ووعيًا.
عرفت أن السلام قوة,
قوة على كبح الغضب،
وقوة على تجاوز الانتقام.

وأدركت أمرًا آخر بالغ الأهمية:
لو فُتحت الحدود، ولو لجأ مئات الآلاف من الغزيين إلى مصر،
لانتهت القضية الفلسطينية إلى الأبد.
رفضت مصر أن تكون شاهدًا على محو التاريخ.
أغلقت حدودها ليس قسوةً،
بل حفاظًا على الهوية الفلسطينية نفسها.
اختارت مسؤولية التاريخ على عاطفة اللحظة.

 

شجاعة اختيار السلام

 

السلام ليس للضعفاء.
إنه يتطلب شجاعةً لرؤية وجوهٍ كانت تُرى كأعداء،
وشجاعةً للغفران دون النسيان.

من يحتفل بالسلام لا يختار إسرائيل أو فلسطين،
بل يختار الحياة ذاتها.
يختار حق الطفل أن يلعب, من دون خوفٍ من مسيرةٍ أو صاروخ..

المعركة الحقيقية ليست معركة السلاح، بل معركة العقل ضد التطرّف واللاعقلانية والغلو،
إنها معركة الصدق ضد الولاء الأعمى.

أنا ابن الشرق الأوسط.
أعرف رائحة الحرب،
وصمت الشوارع بعد القصف.
وربما لذلك أعلم:
السلام ليس حلمًا، بل قرار.

ومن يجرؤ على الاحتفال به، يجرؤ على أن يكون إنسانًا..

د.عاطف حمدي إختصاصي علوم سياسية وباحث في العلاقات الدولية

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *