الرئيسية / عاجل /  ماذا يجري بين امريكا والاسرائيليتين ؟ *** صلاح المختار

 ماذا يجري بين امريكا والاسرائيليتين ؟ *** صلاح المختار

يتصاعد الحديث عما يجري بين امريكا واسرائيل الشرقية، وكما في كل مره فان نشاطات الاجهزة الامريكية تتركز حول هدف مركزي وهو التعتيم على الموقف الامريكي الحقيقي تجاه طهران وما يجري في كل المنطقة، لذلك لا بد ان نعيد التاكيد  على ثوابت الموقف الستراتيجي الامريكي متخطين الالعاب التكتيكية لاخفائه ومنع اكتشافه، وفيما يلي ملاحظات جوهرية:

اولا: رغم كل المعارك الخلبية الصاخبة ورغم كل الترويج المضلل عن وجود نية لامريكا بضرب اسرائيل الشرقية فان ثنائيه الصلة بينهما مازالت هي المتحكمة في كل ما يجري، فهي تبدو حب وكراهية في ان واحد وتلك من اهم متطلبات اللعبة حيث ان الولايات المتحدة الامريكية في اخر ما صدر عنها تؤكد بأنها ستنسحب من المنطقة وتترك قوات مسلحة قليلة العدد في مناطق معينة(وكالات). وهذه التصريحات التي تتكرر بلا توقف تترك انطباعا واحدا مضللا وهو (ان امريكا مهزومة وايران منتصرة)! وبالطبع فامريكا ليست مهزومة وانما تتظاهر بذلك لمنح حكام طهران نقاطا لصالحهم،لكن هذا الجانب هو احد اوجه الثنائية التقليدية اما الاخر منها فهو ان اسرائيل الشرقية تتقدم وتعزز مواقعها في المنطقة، وليس ثمة شك في ان هذا الانطباع المتكون في ذهن الانسان العادي والمثقف هو المقصود امريكيا بشكل خاص، لان المطلوب امريكيا هو عدم السماح للبلدوزر الايراني بالتوقف عن تدمير اقطارنا وحرماننا من حق العيش الكريم ككل البشر، ولكي يستطيع فلابد من شحن معنوياته ومعنويات نغوله العرب وهما شرطان لتواصل لعبة تدميرنا.

ثانيا: الغرض من الثنائية السابقة هو الاعداد للاقدام على خطوات خطيرة في المخطط القديم المتجدد الغربي الصهيوني لتدمير الاقطار العربيه كلها، وبلا استثناء بما في ذلك التي طبعت وقدمت لامريكا ولاسرائيل الغربية اعظم الخدمات لان الهدف ليس اسقاط الانظمة وانما تقسيم الاقطار العربية في محرقة الفوضى الهلاكة التي تعقب اسقاط الانظمة، وذلك موثق في كافة الستراتيجيات الغربية ابتداء من سايكس بيكو وانتهاء بخطة بايدن عندما كان نائبا للرئيس وخطة عوديد ينون الاسرائيلي وغيرهما.

وفي هذا الاطار لا يمكن الا ان نرى  ان من ينفذ هذا المخطط بنجاح وبكفاءة عالية هو حصرا اسرائيل الشرقية بعد عقود من فشل الاستعمار البريطاني والفرنسي والكيان الصهيوني في تقسيم الاقطار العربيه لسبب جوهري هو ان هذه الاطراف الثلاثة اطراف غريبة لا تربطها بها اي صله سوى العداء رغم امتلاكها الخبرات غير المحدوده والامكانيات الضخمة ماليا وعسكريا ومخابراتيا وتكنولوجيا، وبعكس ذلك فان بلاد فارس جزء من المنطقة والاهم ان ما يربطها بالاقطار العربية رابط مزدوج  فهي دولة اسلامية تشترك في الديانة مع الاقطار العربية وهو ما يفتح الحدود النفسية معنا، وتتعمق هذه الصلات بوجود رابطة اقوى وهي الطائفة والمقصود هنا التشيع الصفوي الذي يجمع بين الفرس وكتلة من المجتمعات العربية، وهذه الصلة مفتوحة لممارسة التأثير على الاقطار العربية من داخلها، بدون اي حساسيات عربية او رفض كما يحصل مع الدول الغربية واسرائيل الغربية عندما تحاول التدخل او تتدخل فعلا.

وبناء على ما تقدم فثمة حقيقة يجب تذكرها دائما لان نسيانها يجر الى متاهات عدم الفهم والاضطراب في رؤية المستقبل القريب والبعيد، وهي ان امريكا تكرر بطريقة ملفتة للنظر منذ ادارة ترامب وحتى الان وهو انها ستعامل اسرائيل الشرقية بنفس طريقة تعامل الاخيرة معها! اي ان امريكا لا تريد الحاق اضرار فادحة بأسرائيل الشرقية ولا كبح جماحها بل تريد ضبط حركتها لتكون منسجمة اقليميا مع المخططات الامريكية،وهذا يفسر سر  التراخي الامريكي تجاهها وسر الموقف الاوروبي الداعم لها، فهي تاريخيا وحاليا الذخيرة الستراتيجية الاهم للغرب في منطقتنا القادرة على تنفيذ مخططاته ومخططاتها في ان واحد لوجود قاسم مشترك بين ما يسمى ب(ايران) حاليا وبين الغرب هو العداء للعرب منذ الحروب الصليبية، والدعم الغربي لطهران والذي اتخذ طابعا نوعيا  مختلفا منذ اسقاط الشاه مازال حتى الان مستمرا رغم كل التغيرات التكتيكية التي حصلت خلال اربعة عقود مضت.

ثالثا:الان بالانسحاب الامريكي الرسمي تفتح المزيد من الابواب امام االفرس للتوسع الاقليمي في مناطق اخرى بعد ان حسم الجدل حول الموقف الامريكي من توسعهم في العراق وسوريا واليمن ولبنان، وثبت ان امريكا تدعم كل الادوات الايرانية في هذه الاقطار :فهي مع الحوثيين في اليمن  ومع حزب الله في لبنان والذي ما كان له ان يحصل على هذه القوة  ولا ان  يسيطر على لبنان الا تحت غطاء التجاهل الامريكي والاسرائيلي الغربي له، مثلما لم يكن بامكان الحشد والمليشيات الايرانيه في العراق السيطرة التامة عليه، علما ان امريكا وكما ثبت رسميا كانت تمول هذه الميليشيات منذ غزو العراق وحتى شهور قليلة، واخيرا وليس اخرا لم يكن بامكان الفرس الدخول في سوريا والتمركز هناك وتأسيس قواعد راسخة لهم لولا الدعم الامريكي المباشر ولولا الموافقة الاسرائيلية الغربية المباشرة حيث كانت السيطرة على تلك الاقطار من قبل الفرس  هو الشرط المطلوب لتقسيم الاقطار العربية، بزرع عوامل الفتن الطائفية التي تعد وطبقا للواقع الالغام الاكثر خطورة.

اسرائيل الشرقية الان تجد فرصة ستراتيجية اخرى تتيحها امريكا لها بالانسحاب الامريكي وترك من سمتهم (حلفاءها العرب) يواجهون التفوق الايراني عليهم رغم كل تعهداتها واتفاقياتها الموقعة ورغم التريليونات من الدولارات التي دفعوها لها مقابل حمايتهم! وما يعزز هذه الفرصة هو رفض واشنطن اي خطوة عسكرية ولو تأديبية لحكام طهران، بحصول ما تقدم فان طهران تستعد لتوسع اخطر في الوطن العربي يشمل اقطارا لم تحتلها بعد لاكمال المخططات الاوروبية ثم الامريكية والمتطابقة مع المخططات الاسرائيلية الغربية  والايرانية.

رابعا: نلاحظ ان الافتراق في الموقف بين امريكا واسرائيل الغربية تتبلور ملامحه ويتركز تحديدا حول الموقف من المشروع النووي الايراني ومن التوسع الاقليمي الايراني، فامريكا  وجزء من  اوروبا مع التوسع الايراني الجديد لكن اسرائيل الغربية ضد التوسع الجديد وان كانت دعمت التوسع الاقدم  في العراق وسوريا واليمن ولبنان لان تدمير هذه الاقطار كان ومازال هدفا صهيونيا جوهريا، والسبب هو ان المشروع النووي الايراني رغم كل الضمانات التي تقدمها طهران سرا وعلنا لا يطفئ الشك اليهودي التقليدي تجاه الاغيار او الجوييم  فالاغيار لا يمكن الثقة بهم ابدا ويجب ان يبقوا موضع شك عميق،وعندما تمتلك طهران مشروعا نوويا يسمح لها بامتلاك سلاح نووي فان الحدود الفاصله حاليا بين المشروعين الامبراطوريين الفارسي واليهودي سوف تتخطاها طهران بقوه اغراء تطلعاتها الامبراطورية القديمة والتي يغذيها امتلاك السلاح النووي، فالحلم الفارسي منذ 1400 عام هو اعادة مجد فارس وهو مجد لابد ان يوفر شرطا حاسما لنجاحه وهو السيطرة التامة على المشرق العربي خصوصا على العراق وتسخير موارده كلها لضمان التوسع الجغرافي اقليميا، وهذا ما يعرض الكيان الصهيوني للخطر ،هنا نرى التناقض الحاد الان بين المشروعين الامبراطوريين الفارسي واليهودي ونكتشف حدود التلاقي والافتراق بينهما.وطبقا لذلك فان الخلاف الامريكي الاسرائيلي تجاه اسرائيل الشرقية واضح لان امريكا تفكر قبل اي اعتبار اخر بالتوسع الصيني واسرائيل الشرقية هي المصد الجغرافي الاول له، وتلك الحقيقة الجيوبولتيكية ادت عمليا الى موقف امريكي يفتح المزيد من الابواب امام طهران للتوسع الاقليمي مقابل التشدد الاسرائيلي الغربي تجاهه.

خامسا:وهذه الظاهرة الجديدة تجرنا الى اقرار لا بد منه وهو ان الدور الوظيفي الاقليمي لاسرائيل الغربية قد تراجع فلم تعد قلعه الغرب واداته الاساسية (وسط صحراء العرب) كما كان يقال طوال عقود بل استبدلت اسرائيل الغربية باسرائيل الشرقية، وهنا نلاحظ دقة تسميتنا لايران باسرائيل الشرقية فدورها الوظيفي هو مصدر هذه التسمية،وهي منذ خميني وحتى الان الاداة الرئيسة للغرب في المنطقه والشريك الاهم له في تنفيذ المخططات الستراتيجية المتعلقة بالسيطرة على قلب العالم جغرافيا وهو الوطن العربي خصوصا مشرقه.ان افتراق موقف امريكا عن موقف اسرائيل الغربية تجاه الموقف من اسرائيل الشرقية يعود ايضا الى ان الستراتيجية الصهيونية التقليدية  التي قامت  على شعار (ارضك يا اسرائيل من الفرات الى النيل) هي الخاسر الاكبر من فتح ابواب امريكا امام طهران للتوسع الجديد لانه سوف يأكل من جرف المخطط الاسرائيلي الغربي ويعظم الجرف القاري والبحري لاسرائيل الشرقية ويمنع تحقيق هدف ارضك يا اسرائيل من الفرات الى النيل، وهنا نرى المصادر الجديده للصراعات في المنطقة والوطن العربي.

فما العمل ؟ العمل يبدأ من اقرار ما سبق لانه يزيح الاوهام والتمنيات ويحل محلها العقل النقدي القادر على رسم خارطة طريق اكثر امنا ووضوحا وصوابا.وفي كل الاحوال فلا خلاص لنا من دون الجمع بين المقاومة المسلحة والعمل السلمي، وطبقا للحالات الميدانية .

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *