الرئيسية / مقالات / عندما تتحدث فلسطين باسم 80 بالمائة من سكان العالم!

عندما تتحدث فلسطين باسم 80 بالمائة من سكان العالم!

ناجي حرج

حقوقي ودبلوماسي سابق

 

باشرت دولة فلسطين يوم الثلاثاء 15 كانون الثاني 2019، رئاستها لمجموعة الــ 77 والصين في الأمم المتحدّة لمدّة عام. وقد جرت لذلك مراسم خاصة، في نيويورك، حضرها الرئيس الفلسطيني محمود عباس والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو كوتيريس ورئيسة الجمعية العامة ماريا فيرناندا اسبينوزا، ووزير خارجية مصر سامح المصري الذي كانت بلاده تتولى رئاسة المجموعة للعام الماضي (2018).

المعروف ان مجموعة الـ77 تتكون من 134 دولة تمثل 80 بالمائة من مجموع سكّان العالم، سيتحدث باسمها مندوب فلسطين في كل الاجتماعات الدولية التي ستعقد في هيئات الأمم المتحدة على مدار العام. ولذلك فان الحدث يكتسب أهمية معنوية كبيرة في ضوء المعاناة المستمرّة للشعب الفلسطيني، اذ يمثل تأكيداً دولياً كبيراً بحضوره ككيان دولي، ناهيك عن دلالاته السياسية وانعكاساته القانونية على مظهر نشاط الدولة الفلسطينية في المنظومة الدولية.

وحيث ان فلسطين لا تتمتع بصفة الدولة العضو وانما بصفة المراقب فقط، فانه يجب ان لا ننظر الى اختيارها لرئاسة هذه المجموعة الرئيسة كأجراءٍ روتيني ضمن سياق تناوب الدول الأعضاء على تولّي المسؤوليات ضمن نشاطات الأمم المتحدة، وانما كان من الواضح ان المجموعة قد خطّطت جيداً لكي يكون لذلك الاختيار آثاره السياسيّة ونتائجه القانونية بالضد من كل السياسات التي مورست خلال الأعوام الماضيّة بالضدّ من حقوق الشعب الفلسطيني وتطلعاته الى اخذ مكانته الدولية وتقرير مصيره بيده. فبعد ان اتخذ وزراء خارجية المجموعة في أيلول الماضي قراراً بتولي فلسطين رئاسة المجموعة، اعقبوه بتقديم مشروع قرار الى الجمعية العامة يوسع من صلاحيات دولة فلسطين مضيفاً لها صلاحيّات لا تتمتع بها الدولة المراقبة. وقد حصل مشروع القرار، الذي صاغته مصر، تحت بند “تعزيز منظومة الأمم المتحدّة” على تأييد اغلبيّة من 146 دولة مقابل 3 دول ضدّه هي (أستراليا، إسرائيل، الولايات المتحدة)، وامتناع 15 عضوا عن التصويت.

الأمر الجوهري في القرار انّه اعتمد مجموعة من طرائق عملٍ خاصّة “لمشاركة دولة فلسطين في دورات وأعمال الجمعية العامة والمؤتمرات الدولية التي تعقد برعاية الجمعية أو الأجهزة الأخرى التابعة للأمم المتحدة”، طيلة فترة رئاسة فلسطين للمجموعة، كان الهدف منها تمكين دولة فلسطين من مشاركة فعّالة في كل الإجتماعات بحيث تتصرّف عملياً كأي دولة كاملة العضوية. ولعل هذا الاجراء يضع الحدث في صياغته القانونية التي تمكنّ فلسطين من التصرّف كدولة كاملة العضوية في مباشرتها لمسؤولياتها في رئاسة مجموعة الـ 77 والصين في كل محافل الأمم المتحدة. فقد طلب القرار، الى أجهزة المتحدة والوكالات المتخصصة والمنظمات والكيانات الأخرى ذات الصلة داخل منظومة الأمم المتحدة، تطبيق تلك اﻟﻄﺮائق التي تتضمن الحق في الإدلاء ببيانات نيابة عن المجموعة، بما في ذلك ضمن ممثلي المجموعات الرئيسية، وتقديم المقترحات والتعديلات، والمشاركة في رعاية المقترحات والتعديلات، ورفع الاقتراحات الإجرائية، كما تتضمن الحقّ في تقديم تعليلات للتصويت نيابةً عن الدول الأعضاء في الأمم المتحدة التي هي أعضاء في مجموعة الـ 77 والصين وحقّ الردّ فيما يتعلق بمواقف المجموعة والصين.

وتشي الكلمات التي القاها ممثلو  إسرائيل والولايات المتحدة وأستراليا بالظلال السياسيّة المهمّة للقرار اذ سيكون صوت فلسطين هو الناطق نيابة عن القسم الأعظم من سكان الأرض خلال هذا العام.  فقبل التصويت على القرار عبّرت كلماتهم امام الجمعية العامة عن المعارضة الشديدة لمشروع القرار. فقد قال نائب البعثة الامريكية في نيويورك جوناثن كوهين “ان بلاده لا تعترف اساساً بوجود دولة فلسطينية وبالتالي فإنها تعارض بشدّة اتخاذ هذا القرار” مضيفاً انه “يحقّ فقط للدول الأعضاء في الأمم المتحدة أن تتحدث وتتصرّف باسم مجموعات الدول الرئيسية في الأمم المتحدة”. وأضاف المندوب الأميركي “إن تحقيق السلام الحقيقي يتطلب التحلّي بالشجاعة للجلوس على طاولة المفاوضات وتقديم التنازلات”. وشدّد على أن هذا القرار “هو العكس تماما”. وهذا الموقف ليس بجديد، فالولايات المتحدة تعارض أي خطوة من شأنها تقوية الوجود الفلسطيني في أجهزة المنظومة الدوليّة بما في ذلك انضمام فلسطين الى المعاهدات الدوليّة.

امّا المتحدث باسم دولة الاحتلال (إسرائيل) فقد رأى أن القرار “لا يخدم إلا مصالح أحد الوفود”. وأضاف، “إن المحاولات المستمرّة لتغيير القواعد الإجرائية تُضعف المنظمة وأنه من المُثير للسخرية النظر في المشروع في إطار بند جدول الأعمال المعنون “تعزيز منظومة الأمم المتحدة”.
الدولة الثالثة التي صوتت ضد القرار (استراليا) قالت في كلمة على لسان السفيرة جيليان بيرد “إن قرار استراليا بعدم التصويت على هذا القرار يعكس موقفنا القديم بان المحاولات الفلسطينية للحصول على اعتراف كدولة في المحافل الدولية لا تساعد كثيرا الجهود الرامية الى حل الدولتين.”

لكنّ ممثل دولة فلسطين شدّد في كلمته إثر تبنّي القرار، إن حكومته “لن تدّخر جهداً لإثبات هذه الثقة في قدرتها على تمثيل مصالح مجموعة الـ77 والدفاع عنها”، مضيفا أن وفده سوف يشارك بشكل بنّاء مع جميع الشركاء في “تعزيز التعاون والتواصل اتفاقات مفيدة من أجل الصالح العام للبشرية “.

وآثرت  الكلمات التي ألقيت اثناء تسلّم الرئاسة، يوم 15 كانون الثاني الجاري، التأكيد على الأهميّة المميّزة للحدث، فقد اكدّ كل من الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيرس ورئيسة الجمعية العامة ماريا فيرناندا اسبينوزا على “الاهميّة التاريخية لتولّي فلسطين رئاسة مجموعة ال77، في ظل الاهميّة الكبيرة لهذه المجموعة ودورها الفاعل في رسم السياسات داخل منظومة الأمم المتحدة ولما تمثله من ثقل بشري كبير في هذا العالم. وأشار غوتيرس الى ان الشعب الفلسطيني قد واجه اكبر التحديات العالمية خطورة.

وقال الرئيس الفلسطيني محمود عباس “إن استمرار إسرائيل في الاستعمار والاحتلال لفلسطين يقوض تنميتنا وقدرتنا على التعاون والتنسيق ويعرقل التنمية المستقبلية المتسقة لجميع شعوب المنطقة”.

ولابدّ من الإشارة الى ان تسلم دولة فلسطين رئاسة مجموعة كبيرة كمجموعة الـ 77 والصين في الأمم المتحدة يأتي في ظل التسريبات والتحليلات المتضاربة بشأن ما اطلق عليه تسمية “صفقة القرن” على أساس انها مشروع أميركي جديد لحلّ النزاع في الشرق الأوسط من شأنه اسدال الستار على مشروع نشوء دولة فلسطينية بالفعل. وبالتالي فان ظهور فلسطين المتعدّد في محافل الأمم المتحدة سيعيد التذكير بمأساة شعبٍ سلبه الاحتلال كلّ حقوقه ويسعى جاهداً لسلبّ حتى حقّه في الكلام.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *